مدرسة الحقوق  

 

نالت بيروت في العهد الروماني شهرة فائقة، كونها مركز أكبر وأهم معهد للقانون في سائر أنحاء الإمبراطورية، وقد زاد من أهمية هذا المعهد كون دراسة القانون أولى متطلبات التوظيف العالي في الدول الرومانية.

ولم يُعرف بالضبط إسم الإمبراطور الذي أسس المعهد، لكن المؤرخين يرجحون أن الذي أسسه هو الإمبراطور سبتموس سفيروس، أكتشف موقعه أثناء حفريات شركة سوليدير في ساحة الشهداء في باطن بيروت.

آثار معهد الحقوق الروماني في باطن بيروت

 

ومعهد القانون أقدم معهد من نوعه في المقطاعات الرومانية وأشهرها، عمّر أكثر من أي معهد آخر، وقد جذب ذلك المعهد إليه هالة من العقول النيّرة فيهم الفلاسفة والمشترعون واللاهوتيون ورجال العلم.

  وفي فترة من فترات المعهد الزمنية كان رئيسه ايفرغوس متديناً متقشفاً صالحاً، جعل رئيس الإمبراطورية سفيروس يقتدي به فيصوم عن أكل اللحم، وهذا ما رفع من جو المعهد الفكري والأخلاقي.

  ومن أشهر أساتذة المعهد الأستاذان المشرعان اميليوس بابنيانوس ودوميتيوس أولبيانس، وهذان المشرعان أدرجت اشتراعاتهما الكثيرة في مجموعة قوانين يوستنيان، التي ما زالت مرجعاً في معظم دول العالم.

كان بابنيانوس من أهالي حمص وقد استدعاه الإمبراطور سفيروس في روما ليكون مستشاره القانوني، وقد أوصى الإمبراطور لبابنيانوس أن يكون مربياً لولديه كركلا وجيتا بعد وفاته، وحين إختصم هذان الولدان ووصل بهما الخصام إلى حدّ قتل كركلا لشقيقه جيتا، أنّب بابنيانوس كركلا على فعلته فأمر كركلا بقتل بابنيانوس نفسه.

وكان الناس يقدرون علم بابنيانوس الغزير ونضج عقله الوافر، وعدله وإنصافه وصلابة خلقه، بحيث أن آراءه وإجتهاداته القانونية أصبحت فيما بعد عندما وضع قانون الاستشهاد القول الفصل، وقد كان القضاة عندما يختلفون في الاجتهاد والاستشهاد بحيث يتعذر إيجاد هذا الرأي أو ذاك، فإنهم كانوا يميلون إلى الأخذ برأي بابنيانوس على أنه القول الفصل، ولقد أُدخِلَت أكثر من 595 مادة من المواد القانونية التي اشترعها بابنيانوس في مجموعة قوانين بوستنيان.

  كان خليفة بابنيانوس رجلاً فاضلاً من مواطنيه هو، دوميتيوس أولبيانوس، وهذا وُلد في صور حوالي سنة 170 ميلادية وكان أستاذاً في معهد بيروت، ثم إنه استدعي إلى روما ليكون معاوناً لبابنيانوس مستشار الإمبراطور سفيروس، نفاه الاغبلوس خليفة كركلا، ثم أعيد إلى وظيفته في عهد إسكندر سفيروس.

  ولقد كان إسكندر سفيروس، اللبناني المولد، يختلف خلقاً عن أسلافه، فقد كان يتصف بالبساطة والعدل والطهارة والحكمة والتسامح في حياته الخاصة والعامة، وبرعايته شَهَرَ اولبيانوس حرباً ضد الرزيلة والاستغلال، وقام بتعديل القانون وإصلاح المجتمع، وحاول أن يسن قوانين يكبح بها جماع أفراد الحرس الإمبراطوري الذين كانوا يستغلون مراكزهم لمصالحهم الشخصية، وفي عام 228م هاجت جماعة من الثائرين ضده من أفراد الحرس الإمبراطوري، ودخلوا القصر عنوة، حيث قد لجأ اولبيانوس هرباً منهم وقتلوه على مرأى من الإمبراطور وأمه.

  وقد عمّر اولبيانوس أكثر من زميله بابنيانوس وكانت خدماته في حقل التشريع والقوانين أجَّل أوسع من خدمات زميله، وقد إقتبس المشرعون الذين وضعوا مجموعة قوانين يوستنيان أكثر من 2500 بند أو فقرة من كتاباته ومؤلفاته، مما يشكل ثلث المجموعة اليوستنيانسة.

وكان المسؤول الأول الذي أنيط به جمع القوانين لمجموعة يوستنيان أستاذاً من أساتذة الحقوق في بيروت واسمه دوروثيوس، وكان يوستنيان قد استدعاه إلى القسطنطينية، فلا عجب إذا رأينا يوستنيان فضّل المدينة اللبنانيّة بيروت على غيرها، ولا عجب في أن سمَّاها (أم الشرائع ومرضعتها) .