MAMAM02

حتى سنوات خلت كانت للحمّامات العامّة مكانة هامة في حياة البيروتيين، يذهبون إليها في مناسبات خاصةٍ بهم، وكان يوم الذهاب إلى الحمّام الذي كانت تقصده عادة عائلة بأجمعها أشبه بيوم نزهة إلى البريّة، فمنذ الصباح تكون كلّ لوازم النهار قد أُعدت، مثل الغيارات النظيفة والمناشف والصابون والحناء والليفة والكيس الأسود للفرك والتمسيج، وضمن زوادة النهار التي تحتوي على المأكولات البيروتية والفاكهة والحلوى والنقولات وتحضّر الأركيلة ….

والمناسباتُ العائلية التي كانت تقصد فيها العائلات البيروتية الحمّامات العامّة هي مناسبة عرس إحدى فتيات البيت، ومناسبةُ الاحتفال بأربعين امرأة بعد ولادة أحد أبنائِها، وكانت الحمّامات تخصّص في الليل للرّجال، وما قبلَ الظهر للنساء ...

وكان بناء الحمّامات العامّة في أولى سنوات القرن العشرين عبارة عن دارٍ فسيحة حولها غرف اسمها الخلوات، وكانت العائلة تستأجرُ غرفة أو خلوة، ومراسم نهار الحمّام تتضمّن دقّاً وغناء ورقصاً تشترك فيه أكثر من عائلة في معظم الأوقات، خصوصاً وأنّ عدداً من الحمّامات القديمة كانت تقصُدها عائلات بيروت التي كان أفرادُها يعرفون بعضهم بعضاً ويتزاورون.

ومن عادات البيارتة القدامى أنه في اليوم الذي كانت تذهبُ فيه العروس إلى الحمّام قبلَ الزّفاف، كان العريس يبعث لعروسِه يوم تقصد الحمّام (فوطة العروس) ويكون فيها حلوى وفاكهة ونقولات، فإذا كانَ العريس بخيلاً لم يبعث بشيء في الفوطة ، وإذا كان كريماً بعث فيها المزيد من الفاكهة وأنواع الحلوى ...وأحياناً كانت تلك الفوطة أو الصُرّة تفسِد العُرس، إذ تكتشف العروس أن عريسها بخيل ... ومع أن ذلك الاكتشاف يتمّ قبل الزفاف بيومٍ واحد، كان أحياناً يُلغي العُرس.

وقد ظلّت الحمّامات العامّة شائعة الاستعمال حتى إنتشر البناء الحديث والذي يؤمّن فيه الماء الساخن ...، ومن الحمّامات العامّة التي كانت معروفة لدى ناس بيروت، ولكن أكثرها إندثر ولم يبقى سوى حمام واحد أو أثنين :

حمام فخر الدين

حمام القشاني

حمام الأوزاعي

حمام السرايا

حمام الصغير

حمام الدركة

حمام الباشورة

حمام العسكر

حمام بحري

حمام النزهة

حمام الزهارية

حمام البسطة

حمام مرعش في برج حمّود

كان الاستحمام العادي أقل كلفة من الحمّام بالتكييس، والتكييس يستعمل فيه كيس يُستحضر خصيصاً من مدينة حَلَب يلبسُهُ عامل أو عاملة الحمّام بيده ويدلّك أطراف المستحمّ جيّداً، وعمليّة التكييس شبيهة بعملية المساج، وهذه العملية اشتهرت في العصر العثماني، فالحمّام التركي وطريقة الاستحمام فيه ما زالت طريقة معروفة وشائعة حتى اليوم، ومهما بدا الجديدُ جديداً في بيروت فلا بُدّ من أن يكون مأخوذاً عن قديم إمّا أفضل منه، أو مشابهاً له.

والحمّامات العامّة التي كانت شائعة حتى أيّام الإنتداب الفرنسي وطيلة العصر التركي وطيلة عهد بيروت في ظلّ الأمراء والحكّام العَرَب كانت شائعة أيضاً في العهدين اليوناني والروماني، فالمدينة كانت تُخطّط قبلَ بنائِها، على أساس ثابت لا يتغيّر، فمنزلُ الحاكم والمعبد والسوق التجاري والملاعب الرياضيّة والحمّامات العامّة والمسارح مرسومة على خارطة المدينة بدقة، لا بل إن الحمّامات العامّة في العهد الرّوماني كانت من جملة الأماكن التي يذهب إليها الناس للاغتسال والتسلية، وفي عهد أمراء آل بحتر سُمِحَ للأمراء الفرنج ببناء حمّامات وخانات.

بإعتبار أرض الحمّام مبللة بالماء والصابون دائماً، فإنها غالباً ما تكون زلقة، لا يكاد الإنسان يتملك عليها توازنه أثناء سيره من مكان إلى آخر ... لذلك فإن ظاهرة السقوط على بلاط الحمّام تتكرر يوميًّا عشرات المرات.

ومشاجرات السيدات في الحمّام أكثر من أن تحصى... والسبب الذي تدور حوله تلك المشاجرات هو خرق ما تعارفت عليه السيدات من عادات وتقاليد مرعيّة...

الأم إذا أصبح إبنها في سن الشباب تشرع في البحث عن شريكة حياته ... وقد تصادف ضالتها في الحمّام، بين الفتيات اللواتي يأتين مع أمهاتهن بغية الإستحمام. وفي الحمّام تتأمل الأم في تلك الفتيات الواحدة تلو الأخرى: في قوامها وتناسق جسمها وحركاتها العفويّة ومشيتها، حتى إذا صادفت ضالتها المنشودة، تعرفت عليها وحصلت على عنوان منزلها.

وهذه أجواء الحمّامات العامّة في بيروت كما وصفها الأديب الفرنسي لامارتين، الذي عاش في لبنان في القرن الثامن عشر ردحاً من الزمن وقد دُعيت زوجته ذات يوم لحضور حفلة تحميم عروس في بيروت وعنها كتب الوصف التالي:

(الحمّامات العامّة مكانٌ يمنع دخول الرجال إليه إلاّ في ساعات معيّنة من النهار، لتبقى مخصّصة للنساء، وإذا إتّفق أن أميرة عروساً أرادت الاستحمام قبلَ عرسها ببضعة أيّام، وفقاً للتقاليد، خُصّصَ لها الحمّام طولَ النهار الذي تختارُه، وغرف هذه الحمّامات ضعيفة النور لا تُضاء سوى بنور ضئيل يرشح إليها من قباب فيها فتحات صغيرة، مستديرة ، عليها كرات من زجاج ملوّن، وهي مبلّطة بالرّخام صفوفاً مختلفة الألوان مرصوفة بفن وإتقان، وجدرانها مكسوّة بالرّخام والفسيفساء أو منقوشة في شكل بارز، مربع مستدير، أو في أشكال عربيّة الطّراز، وحرارة الغرف تدريجيّة، فالغرفة الأولى في حرارة الهواء الطلق، والثانية فاترة، ثم تزداد هذه الحرارة درجات درجات حتى الغرفة الأخيرة، حيثُ البخار الغالي ينبعثُ من الأحواض ويملأ جوّ الغرفة بحرارة تكاد تكون خانقة، ولا توجَدُ أحواضٌ محفورة في صحون الغرف، وإنما توجد حنفيّات تجري متسلسلة، فتصبّ على البلاط ماء بمقدار نصف إصبع، يجري في مجار دقيقة، يتجدّد دائماً فيها، ولا يتمّ الاستحمام بالشرق بالتغطيس، إنما هو بدفق الماء الساخن دفقاً متوالياً وبتأثير حرارة الماء في الأبدان.

كان الحمّام في ذلك النهار مُخَصّصاً لعروس أميرة، وقد دعي إليه زهاءَ مائتي سيدة من نبيلات المدينة وضواحيها وبينهننّ بعض الأوروبيات وزوجتي، فجاءت كلّ واحدة من الأميرات والنبيلات ملتفّة بثوب واسع يسترُ ثيابها الفخمة، وكلّهن مصحوبات بإماء سود أو بجوارٍ بيض حُرّات، وكلما وصَلَ موكبٌ من مواكبهنّ اجتمعت نساوهُ كُثَلاً، وجلسن على حُصرُ ومساند مُعدة في الرّواق، فتأتي جواريهنّ وينزعن عنهنّ المِلاءَ ليبرزن في ملابِسِهن، ولمّا اجتمعت المدعوات كلّهن عُزفت موسيقى عنيفة بالنقيرات والمزامير، وغنّت نساء مرتديات ثياباً من الأنسجة الشفافة الحمراء، بأصوات حادّة محزنة، ولم تنقطع هذه الموسيقى طوال النهار، فكانت تنشر في ذلك الجوّ البهيج ضجيجاً صادعاً، ثمّ برزت العروسُ تصحبُها أمّها وأترابها، لابسة ثوباً فخماً، ويتوارى شعرُها وساعداها وعُنُقُها وصدرُها تحتّ عناقيد من النقود الذهبية واللآلئ، فتواصت المحمّمات بها، فنزعن عنها ما عليها من الحلي قطعةً قطعة، ثم ابتدأت مراسيم الاستحمام المختلفة، والموسيقى تعزف اللحن نفسه، والصياحُ يتراسل من غرفة إلى غرفة، فاستحممن أوّلاّ بالبخار الحارّ، ثمّ صُبَ عليهنّ ماءٌ مُعَطّر، ثمّ جاءَ دورُ اللّعب والدعابات واللهو، وحينَ انتهين خرجنَ من غرف الاستحمام إلى غرف التبردّ والرّاحة، فجدلت كلُّ أَمَة وكل جارية شعرَ سيدتها الرّطب، وعقدت لها عقودها، وألبستها أساوِرَها وحليها وثيابها الحريريّة وسلطتها المخمليّة، ثمّ بُسطت بينهن مساند على حصر الردهة، فقعدن وأتين بسلال وصُرر من الحرير ملئت بالزاد المحمول معَهن، وهذا الزادُ كناية عن معاجين ومربيّات من كل الأنواع التي يتميّز بها العَرَب والترك، فأكل ، وشربن شراب الليمون المثلّج، ثمّ أتت النساء المسنّات بالغلايين والنارجيلات، فتعالى الدخانُ المعطّر حتى ملأ أجواء الغُرف وجيء بالقهوة في فناجين صغيرة موضوعة في أحقاق من الذهب والفضّة مُخرّمة، فظلّت تُدار عليهنّ، وتدور الأحاديث بينَهنّ، إلى أن برزت الرّاقصات يرقصنَ على الموسيقى عينها، الرقص المصري، ولما انقضى النهار وهنّ على هذه الحال، وأرخى الظلامُ سدوله عاد الموكب النسائي بالعروس إلى بيت أمّها) .

قد وصف لامارتين حفل الاستحمام هذا في عهد الأمير بشير الشهابي، كما ذكر أن الحمّامات العامّة كانت تحتوي على غرف خاصة بالأجانب.

وفي العهد المملوكي جاء في كتاب لبنان من الفتح العربي حتى الفتح العثماني، أن مدينة بيروت قد ازدهرت وأنشئ فيها العديد من الحمّامات العامّة والمطاحن كما حاول المماليك بناء أسطول بحري فيها.

أما هنري غيز، قنصل فرنسا في لبنان في الأعوام ما بين 1808 – 1828، فقد قالَ وكان يتحدث عن أخلاق المسلمين وعاداتهم في الفصل الثامن من كتابه بيروت ولبنان، كان يخصّ النساء بالكلام:

(المسلمات لا يبحن لأنفسهن سوى التمتع بالمسرّات التي يمكّن منها المنزل، ومع ذلك فعندَهن الاستحمام، فإذا ما فقدنَه فقدن أهمّ أسباب ملذّاتهن، إن أزواجهنّ لا يمنعونهنّ منه، لأنهم على يقين أنه المكان الوحيد الذي لا يتعرض فيه شرفهم لأي خطر، إنهنّ يهيّئنَ يومَ ذهابهنّ إلى الحمّام، كل حوائجهن منذ الصباح الباكر، فيجعلن من المناديل رزماً مختلفة تصلحُ لعدّة شؤون، إنها متعددة، فمنها ما يكون من الحرير أو من القطن، ومنها ما يكون مربع الحجم ذا لون أبيض، والوقت الذي يقضينه في الحمّام لا يمكن أن ينقص عن ثلاث ساعات أو أربع، وهنّ يأكلن ويشربن في أثناء ذلك حتى أن تدخين النرجيلة يملأ فراغاً كبيراً من فترات الاستراح ، إن مشاغل النساء في الحمّام عديدة، فهناك يجتمعن لينظفن أجسادهنّ بكيس من الشعر الناعم، ويضعن على رؤوسهن الحنّاء لتصبح شعورهنّ ملساء، ثمّ يدلكن أجسادَهنَ بمادة لزجة ممزوجة بماء الورد، وأخيراً يتمشّطن ويصففن شعورهنّ ذوائب ذوائب، ولما كنّ يعتبرن أنفسهنّ عائلة واحدة على الرّغم من تعدّد العائلات والأشخاص، فإن هذه العمليّات لكل منهن على حدَة تستغرق الوقت الطويل ، وفي الحمّام يشتد هذر النساء ولغوهنّ، فهناك يلقن بعضهن بعض ما حفظنه من حاضناتهنّ اللواتي كنّ يدلكن أجسادهن ويغسلنها، تتألف حمّامات الشرق من ردهات واسعة معقودة بالحجر تعلوها قباب تطلّ منها كوى صغيرة مدوّرة لتستقبل ضوء النهار، وقد عرفت الحمّامات القديمة بعض الوصفات العربيّة كخليط الماء الساخن بأنواع من الأعشاب إما من أجل نعومة الجلد للسيدات أو من أجل الشفاء من بعض الأمراض في كل الأعمار، ولكنّها لم تعرف الأحواض التي تثبتت في البيوت اليوم، وربما كان الغطس في المياه الساخنة مثل حمّامات الحمّة هو، إحدى الوصفات العربيّة من أجل الشفاء من مرض معلن).

MAMAM01 

قال المستشرق الغربي كريمسكي :

(ذهبت إلى حمام عربي في بيروت، المظاهر الخادعة لدى الشرقي لا تسمح لأي كان بالذهاب إلى الحمّام إلا في ثياب خاصة بذلك، أي برنس على شكل تنورة ومنشفة، فكان عليّ استعارة تلك الثياب من أصحاب المنزل، يستحم الناس وهم يرتدون التنورة التي أشرت إليها والقبقاب الخشبي، أما أنا كأوروبي فقد سمحت لنفسي أن أنزع المريول عني أثناء الحمّام، وعندما خرجت إرتديته، ليس في الحمّام أجران أو غرف والجميع يستحم على أرض الحمّام، ويأتيك الرجل للتدليك فيفرك جسمك بالليف والصابون حتى ينظف الجسم تماماً وتشعر كأن الشحم كله قد سال عنك).

ومما بقي من الحمّامات أمثلة تتناقلها العامّة مثل قولهم :

مثل الحمّام المقطوعة ميته

ضاعت الطاسة

حط الحزن بالجرن

دخول الحمّام مش مثل خروجه

وفي أيام أمراء العرب من آل بحتر كان للحمّام مكانته الرفيعة وقد جاء صالح بن يحيى على ذكره عدة مرّات، وقد كتب أحد الأمراء على باب حمّام جديد عَمّره:

وحمّام بيروت الينَ حسنـاً       تجدْ فيه المسرّة والنعيــمْ

تريك الماء يسرحُ فوق نار     وذاك لمن يرى ينفي الهمومْ

كأنّ قبابَها والجـامُ فيهــا        سماءٌ أشرقت فيها نــجوم