التاريخ لا يحفظ إلا الأسماء الكبيرة (*)

النائب محمد الحجّار

حين غادر هذه القاعة لم يلوّح لنا بمنديل الوداع..

وحين زُلزِلت الأرض في هذه القاعة، واضطرب القلب، وزاغ البصر وفزعت أحاسيسي بالخبر، أدركت أن دولة الرئيس عبر مفاصل الزمن وتمركز كطائر النعاس خلف الشمس...
أنسلُّ من حزني وفي فمي ابتسامة مالحة..

كما تصعب عليّ عبارة الرئيس الشهيد، وهو الذي جمّل هذه الكلمة، لكنه بكّر على هجر محبيه وهم كثر، وكسر كل القلوب وترك لنا عذاب بلد يقتل كل يوم.. مضى أسبوعان..
أيامنا غول، وليالينا غراب أسود..

القمر يغيب في خرائب القبور، والزغاريد موصولة بجنون المأساة تبكي رئيسها وحبيبها الذي اغتالوه..

 

دولة الرئيس،

يا لطراوة الذكرى التي تركتها لنا،

النسيان يا دولة الرئيس صفقة خاسرة لا تُغري بالمحاولة، ومثلك لا يُنسى يا دولة الرئيس،

رُدّ عنا هذا الكابوس الممدود على صدورنا،

يا ظل الصفصاف..

يا كبرياء السيف وشموخ الأرزر الذي أحببت. أحببناك حزناً وفرحاً.. واقعاً وحلماً.. يا بعيد.. يا قريب

يا نجمة الفرح.. يا رفيق البسمة الطروب.. لأجل من هذا الرحيل الأسطوري؟

 

دولة الرئيس،

لقد كنت من الذين كبرنا وكبر بهم لبنان فقتلوك.

إستحال عليهم استيعابك.. فقتلوك.

كشفت عجزهم.. فقتلوك.

فضحت أوكار تآمرهم.. فقتلوك.

هل تسمع من عليائك من قال "يا جبل ما يهزّك ريح"؟ يا لسخرية القدر، إذ بعدما دمّروا القمة العالية، يتراءى للتلال الصغيرة أنها بشموخ الجبال..

ان ما أقوله يعبّر عن القليل الذي يجول في وجداني ووجدان الغالبية الساحقة من اللبنانيين وربما هنا يمكنني القول بأنها تتجاوز نسب تعوّدنا على سماعها في عالمنا العربي أي 99.99% من مجموع الشعب اللبناني ولكنها صحيحة ودقيقة هذه المرة وقد عبّرت عن نفسها في موكب التشييع وفي مسيرة الأسبوع على حادث الاغتيال وفي الجموع المعتصمة في ساحة الحرية ساحة الشهداء بالقرب من ضريح الشهيد وفي زوار الشهيد اليوميين الذين يحجون الى هذا الضريح من كل فئات الشعب اللبناني وكل أطيافه، من كل ناحية وبقعة من لبنان، الوطن الذي أحبه حتى الشهادة.


انني أسأل، هل تمعّنت السلطة ورجالها في عيون النساء والأطفال الباكية، هل تمعّنت في عيون الرجال الدامعة، أشك بأنها فهمت الرسالة وإلاّ ما معنى استمرارها في غيّها وضلالها، وما معنى وجودها هنا على مقاعد الحكومة تحت هذه القبة.. ألم يفهموا بعد بأن الشعب نبذهم ولا يريدهم.. ألم يدركوا بعد بأن جموع الناس هذه لم تعد تطيق النظر في وجوههم.. ألم تفهم هذه السلطة بأنها هي من يتحمل مسؤولية كل ما جرى وما يمكن أن يحلّ من مآسي بهذا البلد وبأنها هي من أحلّت دم الشهيد وبأنها ويا للسخرية أرادت أن تسير في جنازته.


ان هذه الحكومة القابعة أمامنا وعلى الرغم من عمرها القصير لكنها تعبّر عن نهج يتحكّم بلبنان منذ العام 1998، وربما قبل ذلك التاريخ، وهذا النهج هو المسؤول عن الزلزال الذي عصف بلبنان والمنطقة وبالكارثة التي حلّت علينا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
نعم لقد حمل الرئيس الشهيد نعشه ومشى الى جنة الخلد عن سابق تصوّر وتصميم، كانت رسائل التهديد والوعيد تصله يومياً من هذه السلطة الساقطة، لكنه طوى هذه الرسائل ورماها في سلة مرسليها. ثم تسلّح بإيمانه بالله وحبّه للوطن، ومضى قدماً في مسيرة الانقاذ، فسقط شهيداً من أجل لبنان.


كم كانت واضحة الرسائل، كان يفهمها القاصي والداني، الطفل والعجوز، الجاهل والعالم، المبصر والضرير، نعم حتى الضرير كان يرى تلك الصورة: صورة سلطة فاقدة الصواب تكشّر عن أنيابها، تطلق العنان لحقدها المجنون، تخوّن وتشتم وتحرّض، ثم تعاقب العاصمة الوفيّة، تشرّحها وتلاحق جمعياتها الخيرية وكل ذلك باسم يد ممدودة للحوار.
كانت هذه الصورة، وكان المطلوب الاغتيال السياسي، وإن تعذّر ذلك، وقد تعذّر، فالأسوأ.
إنني أسأل باسم كل هذه الجموع الهادرة والتي لم تعد صامتة، إنني أسأل: لماذا اغتيل الرئيس الحريري؟ ومن نفّذ عملية الاغتيال من قرّر ومن خطط ومن أشرف ومن يحمي من نفّذ هذه الجريمة؟ هل يحق لنا أن نعرف الحقيقة؟


لم نعد نذكر متى بدأت رسائل الإنذار ولا أحد يعلم أين تنتهي. منذ سنوات يتحمّل الشهيد كل محاولات الاغتيال السياسي من النظام الأمني المخابراتي. كان يشاهد الملاحقات الافترائية ضد أصدقائه والمقرّبين منه. وكان يستمع الى حملات التجنّي عليه في الإعلام الرسمي وغير الرسمي، هذه الحملات التي بلغت ذروتها بأفلام ِىٌ­ُملىض التي راح يبثها تلفزيون لبنان إبان الحملة الانتخابية للعام 2000. قالوا له "لأ أنت بتمشي" رداً على قوله بفرح "البلد ماشي.. والشغل ماشي"، ولمرة وحيدة كانوا صادقين. نفّذوا مهمتهم. ومشى رفيق الحريري.


لقد شنّت الحرب حتى على إنجازات الرئيس الشهيد. فهذا النظام الهمايوني لا يأبه لمعاناة الشعب والحرمان الذي يتعرّض له من جرّاء الحرب الضروس التي يشنها في هذا الاغتيال السياسي. فبعد أن تم اغتيال الخطة الإنقاذية الاقتصادية التي أطلقها الرئيس الشهيد في مؤتمر "باريس ـ 2"، وبعد الاستبداد المتواصل بصلاحيات رئيس الحكومة خلافاً للدستور وللطائف، جاء قرار التمديد الذي ألغى الطائف والدستور، ومدّد لرئيس لم يشهد لبنان من قبل تزويراً للحقائق وافتراء وتجاوزاً للمؤسسات الدستورية وللقوانين والأنظمة كالذي يعيشه في ظل هذا العهد.

 

من المفيد أن نسترجع معكم بعضاً من مآثر هذا الحكم، وكم كنا نود أن نشير الى إيجابيات إذا وُجدت في عمله وذلك انسجاماً مع قناعاتنا الديموقراطية ومن موقع المعارضة الذي نحن فيه. ولكن للأسف نرى بأن سياسة الارتجال والكيدية والحقد والانتقام هي التي حكمت وتحكم نهج هذا الحكم وهذه الحكومة.


ففي طريقة التشكيل وفي نوعية بعض الوزراء نرى بأن الحكومة جمعت بعض الأسماء التي ادّعت زوراً تمثيل مواقع وطنية معيّنة أو أطيافاً محددة من المجتمع اللبناني. وما كان من ممارسات إنما ينسجم مع آلية وطبيعة التشكيل هذه والتي أنتجت سياسة الاستعداء والاستبعاد والتحدي والنكايات.


المشكلة هي في الذهنية التي تحكم لأن هذه الذهنية وهذه العقلية هي التي أنتجت هذه الحكومة وهي لا تريدها إلاّ على هذه الشاكلة، ولقد أدى هذا النهج سابقاً الى أزمات على كل الأصعدة وأدى بالتالي الى استفحال الأمور أكثر وأكثر.


ان الحكومة تحكم باسم أقلية تجلّت في الثقة الهزيلة التي نالتها في المجلس النيابي، ثقة الـ59 صوتاً. وهذا ينسحب على آلية عملها فهي حوت وزراء لم يفعلوا سوى الانتقاد والسباب والحرتقات تغطية لجهلهم وفشلهم فيكثر عند بعضهم الشعارات وتتراجع عندهم الانتاجية ويهيم بعضهم بالعنتريات والتهديدات وأضحى الفساد محمياً في مركز القرار.


لقد أثبتت هذه الحكومة بالممارسة أن هدفها الوحيد هو مواجهة المعارضة الداخلية وهذا تجاوز في حد ذاته لكافة الأسس الديموقراطية في أي مجتمع من المجتمعات فكيف بمجتمع كالمجتمع اللبناني.. لقد اعتمدت الحكومة ومنذ اللحظات الأولى بعد نيلها الثقة الهزيلة في المجلس النيابي وحتى قبل ذلك، لغة لم يألفها الشعب اللبناني والتي هي بعيدة كل البعد عن قيمه وأدبياته، فكانت المهاترات والشتائم والتخوين وحتى التهديد بالإلغاء... فبدلاً من المبادرة الى الحوار العقلاني المنطقي الذي دعت اليه المعارضة عبر شعاراتها أو عبر وثيقتها، كان السعي الى الإلغاء أو التحجيم للقوى المعارضة إما بمناورات سياسية مشبوهة أو بشعارات غير مسبوقة كالقول "بالأقلية ذات الصوت المرتفع".
إن العقلية التي تتحكم بهذا الحكم وهذه الحكومة والنهج المتبع في الممارسة اليومية يدلان على أن منطق التمديد عند هذه الحكومة هو المنطق السائد، وهذا يدل على سعيهم الى إنشاء نظام شمولي غير مسموح فيه للأصوات المعارضة وباتباع أسلوب القمع والتنكيل والتشكيك والتخوين والكيدية والحقد والفرز والتحريض لتحقيق غاياتهم.


لا شك أن الرئيس الشهيد قد قرأ جيداً رسالة الصواريخ التي أطلقت على مبنى تلفزيون "المستقبل" قبل عام ونصف من اغتياله، وبالطبع حفظ الملف وقيد ضد مجهول، وهنا بالذات تكمن الرسالة، تماماً مثل الرسالة التي انبعثت من التعاطي الأرعن و المستهتر مع ملف محاولة اغتيال الزميل مروان حمادة.


وبعد، كانت الرسالة الأبرز في تشكيل هذه الحكومة بالذات، تحت عنوان حكومة الخط ومهمتها التصدي لأولئك العملاء الخونة المارقين، جماعة القرار 1559، المتناغمين مع الخارج والمؤتمرين من أسيادهم في أميركا واسرائيل. وبلغت الوقاحة حد اتهام الرئيس الشهيد (وهو مهندس اتفاق الطائف)، بأنه وراء صدور القرار 1559، وكيلت له الشتائم، وراح البعض يصب عليه جام حقده وحسده ونعته بأبشع المفردات. ثم اتهموه بالخيانة العظمى، فهدروا دمه ودم المعارضة، وأعطوا بذلك إشارة الانطلاق لمنفذي الإغتيال.


إنني أتهم هذا الحكم وهذه السلطة بالتحريض على إغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبتضليل التحقيق بعد إرتكاب الجريمة، وأطالب ومن على هذا المنبر بتحميلهم المسؤولية وفقاً لنص المواد 217 ـ 218 ـ و219 من قانون العقوبات.


دولة الرئيس، وفي التحريض على إرتكاب جريمة الإغتيال فإن مراجعة بسيطة لتسلسل المواقف والتصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة وعن عدد من الوزراء في حكومته، والتي سبقت الجريمة البشعة، تبين انها شكلت هجوماً مركزاً ومبرمجاً ومباشراً على الرئيس الشهيد وصلت الى تخوينه واتهامه بالعمالة لإسرائيل والإشارة الى قيادته لمشروع مشبوه يعود لسنة 94. وبعدما أنجزت المهمة، وتمت الجريمة، يذرف الدمع على الشهيد ويقال أننا في خط سياسي واحد.


اسمح لي يا دولة الرئيس أن أورد بعض الوقائع التي تدعم مطالبتي:


1 ـ ورد في صحيفة الحياة بتاريخ 5/2/2005 كلام على لسان رئيس الحكومة يهاجم فيه الرئيس الشهيد والمعارضة يقول فيه حرفياً: "نراهم يسيرون وفق مخططات إسرائيل وأميركا.. وإن تاريخهم في الحكم أسود".


2 ـ ورد على لسان وزير العدل عدنان عضوم بتاريخ 5/2/2005 حسبما أوردت جريدة النهار، عن الرئيس الحريري والمعارضة ما هو نصه حرفياً: "إن المعارضة ضربت إتفاق الطائف عرض الحائط وانتقلت الى حالة تأسيسية جديدة، وأصبحت تعمل بأوامر من جهات معينة" وطبعاً هذه الجهات برأيه هي أميركا وإسرائيل.


3 ـ ورد على لسان وزير البيئة وئام وهاب مع برنامج "نهاركم سعيد" من تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال بتاريخ 5/2/2005 ما هو نصه حرفياً "المعارضة ليست داخلية، فمن الواضع أنها تتحرك بأوامر خارجية ولن يكون مصيرها بأفضل من أحمد الجلبي في العراق". ويضيف السيد وهاب عن الرئيس الحريري في نفس المقابلة "إن رأي الرئيس الحريري الشخصي هو جزء أساسي من مشروع البريستول"، "وأن الرئيس الحريري نفذ مشروعه لرهن لبنان للخارج".


4 ـ بتاريخ 4/2/2005 وفي تصريح لرئيس الحكومة يقول: "إن المعارضة تسير من قبل الولايات المتحدة الأميركية وهي عندما تصدر قرارات مبهمة في بعض جوانبها يجيء ساترفيلد من أميركا ليوضح هذه الأمور".


5 ـ يوضح الوزير ناجي البستاني كلاماً للوزير سليمان فرنجية وفي مقابلة مع راديو لبنان الحر بتاريخ 29/1/2005 يؤكد فيه بأن "الرئيس الحريري رأس المعارضة وأعتقد أن هذا ما قصده الوزير فرنجية في كلامه عن المعلم الأول والمعلم الثاني" وطبعاً وكما ورد سابقاً فإن هذه المعارضة تحركها أميركا وإسرائيل.


6 ـ في حديث مع برنامج كلام الناس من تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال بتاريخ 27/1/2005 يقول وزير الداخلية بأن "الحريري هو المعلم الأول للمعارضة". وهو صاحب مشروع مشبوه منذ العام 94.


7 ـ بتاريخ 7/2/2005 يؤكد الوزير فرنجية أنه: "ليس هناك قرار 1559 وانتخابات، هناك فريق يطالب اليوم بمطالب اسرائيلية وفريق يطالب بالخط الوطني".


8 ـ يورد الوزير عبد الرحيم مراد وفي حديث الى جريدة الديار بتاريخ 8/2/2005: "من دون أدنى شك أعتقد أن الرئيس الحريري لا ينكر موافقته على القرار 1559".


أكتفي بسرد بعض الوقائع التي هي في متناول الجميع والتي يتهم فيها الرئيس الشهيد من قبل رئيس الحكومة وعدد من أركانه بأنه كان رأس المعارضة وبأنه كان وراء القرار 1559 وبأنه كان ينفذ مخططاً أميركياً اسرائيلياً ناهيك عن نعته "ببركيل قريطم" وبأنه "رأس الأفعى" و"مايسترو المعارضة" المتهمة بإنتماءاتها الخارجية دائماً عدا عن التهديدات من مواقع مسؤولة في السلطة مثل "أكل الرؤوس" و"نار جهنم ستفتح عليهم" و"منفرجيهم"..
إن هذه الصورة المبينة بما تقدم وفرت مناخاً منجزاً وملائماً أوصل الى إرتكاب الجريمة الكبرى بحق الرئيس الشهيد وبحق الوطن بأسره.


إن هذا الواقع الثابت والذي يشهد عليه كل اللبنانيين، يبرر دون أدنى مبالغة القول بأنه إذا كان الفاعل المباشرة للجريمة لا زال مجهولاً حتى اليوم، فإن المحرض على إرتكابها معلوم هو هذه السلطة التي اتجهت كل تصرفاتها السابقة للجريمة على التأثير في تفكير مرتكبي الجريمة وخلق التصميم الجرمي لديهم عبر إبراز البواعث التي تدفع الى الجريمة وتحبذ الآثار التي تترتب عليها طالما هي تنصب في عرفهم على من جرى تخوينه من قبل هذه السلطة الساقطة، وبحيث ينطبق على فعل هذه السلطة وصف المحرض على الجريمة المرتكبة بحق الرئيس الشهيد، بالمعنى الذي تضمنته المادة 217 من قانون العقوبات التي اعتبرت "محرضاً كل من حمل أو حاول أن يحمل شخصاً آخر بأي وسيلة كانت على ارتكاب الجريمة".


في التضليل:

لا يخفي على أحد، وأقولها بكل أسف أن الثقة لدى هذا الشعب بالأجهزة المولجة بالتحقيق مفقودة وقد عزز انعدام هذه الثقة ما شاهده اللبنانيون وبعد عدة ساعات فقط من إرتكاب الجريمة مسارعة عدة وزراء في الحكم الى الترويج بخفة للشريط الذي بث على قناة الجزيرة والذي ظهر فيه شخص يدعى "أبو عدس" ينسب لنفسه مسؤولية إرتكاب الجريمة ومن ثم مسارعتهم في إتهام، وبخفة أكبر، بعض المواطنين من منطقة المنية ممن كانوا يؤدون فريضة الحج، ولم يلبث أن ثبت لاحقاً وبتحقيق أجري من السلطات الأسترالية عدم علاقتهم المطلقة بما نسب اليهم.


ثم ظهر تخبط أركان السلطة بإطلالة وزير الإعلام ووزير الداخلية على القنوات الفضائية وجزمهما بأن التفجير تم بعملية استشهادية، ليتم التراجع لاحقاً وتسمى انتحارية، وذلك في محاولة مكشوفة ومتعمدة للربط مع ما ورد في الشريط المفبرك الذي بث على قناة الجزيرة.

 

دولة الرئيس،

إن أداء السلطة منذ إرتكاب الجريمة، هدف الى أمر وحيد هو التضليل والتضليل والتضليل.
إن هذا الواقع لمريب فعلاً وهو عزّز قناعة اللبنانيين بنية متعمدة لدى السلطة في صرف التهم عن الفاعلين الحقيقيين، وصرف التحقيق عن مساره السليم وبما زاد الشبهة على هذه السلطة المرتبكة والمتهمة أصلاً من اللبنانيين منذ اللحظة الأولى للجريمة الفاجعة.


من هنا مناشدتنا ومناشدة كل شريف آلمته الفاجعة والى كل حر يريد كشف الحقيقة أقول لا تتركوا المتهم في موقع القاضي ولا تتركوا التحقيق في يد المشتبه الأول.
إن الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني توجه أصابع الاتهام الى السلطة، لذا فإن أبسط القواعد القانونية تمنع على المتهم أن يتولى مهام القيام بالتحقيق في جريمة متهم بها وإصدار الأحكام بشأنها.


انني أؤكد بأننا لن نستكين ولن نهدأ قبل أن نعرف الحقيقة.


وهذه السلطة الساقطة غير مؤتمنة. من هنا نناشدك بالعمل معنا على أن يتخذ المجلس النيابي صفة الادعاء الشخصي وعلى المطالبة بلجنة تحقيق دولية بإشراف الأمم المتحدة لكشف مدبري جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ومحاولة اغتيال الشهيد الحي الزميل باسل فليحان الذي نتمنى له الشفاء العاجل ومنفذيها ومحاكمتهم وإنزال العقاب بهم وذلك لوقف مسلسل الإجرام والإرهاب الذي استؤنف مع محاولة اغتيال الزميل مروان حمادة وتمنّع السلطة عن كشف مدبريه.


إن جريمة بهذا الحجم والتي اهتز لها العالم بأسره يجعلنا نسأل ايضاً مع الشعب اللبناني بأسره عن من يتحمل المسؤولية؟


هل من المعقول وبالرغم من كل ما حصل بدءاً بمحاولة اغتيال الزميل مروان حمادة، مروراً باطلاق النار على مهرجان للزملاء أعضاء التكتل الطرابلسي وصولاً الى جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومحاولة اغتيال الشهيد الحي الزميل باسل فليحان أمعقول أن لا تتحمل أية جهة مسؤولية ما حدث ويحدث؟


من يقبض على الأمن في لبنان، من هو المسؤول عن حماية الناس، ألا يوجد أي شخص أو جهة تتحمل المسؤولية والتقصير الفادح الحاصل. ألا تستدعي فداحة وفجاعة وكبر ما حدث استقالة أي مسؤول.


إن التندّر السخيف الغبي بحصول اعتداءات الحادي عشر من أيلول في نيويورك لا يجب أن يغيب عن بالنا بأن جورج تينيت استقال من جرائه وبأن إعادة هيكلة كاملة للدوائر والمؤسسات الأمنية الأميركية قد استتبعته. ثم كيف لنا أن ننسى التقصير والإهمال الفادح في عمل هذه الأجهزة وتسببها في قتل زاهي أبو رجيلي الذي كان بالإمكان إسعافه لو سمح لأهله بالتفتيش عليه في مكتبه والذي قضى فيه بعد 24 ساعة من حصول الانفجار.


كيف لنا أن نتغاضى عن اكتشاف جثة محترقة تحت سيارة بعد 10 أيام على حصول الجريمة، إن الناس تسأل ونحن معها من يتحمل مسؤولية ذلك.


رحم الله الرئيس صائب سلام الذي تحمّل بنفسه مسؤولية اغتيال القادة الفلسطينيين في بيروت في العام 68 واستقال من الحكم. واننا ومن هنا نطالب، بإقالة كافة قادة الأجهزة الأمنية في لبنان وتقديمهم للمساءلة والمحاكمة بتهمة التسهيل أو التقصير في حصول هذه الجريمة.
إن هذه الحكومة الفاقدة شرعيتها الشعبية والمسؤولة بحكم الدستور عن عمل الأجهزة الأمنية مدعوة للرحيل ليس فقط لمسؤوليتها عمّا حصل بل كذلك لاستمرارها وبعد جريمة الاغتيال في التشكيك بمسلّمات أساسية توافق عليها اللبنانيون وتشكّل برأينا تهديداً للسلم الأهلي وإثارة للفتنة وتهديداً لمستقبل اللبنانيين.


إنني أسأل ما معنى حديث رئيس الحكومة عن عدم قدرة الجيش اللبناني على ضبط الوضع الداخلي وعن خطر انقسامه.. أليس في ذلك دعوة الى الإنقسام..


ألم يعد الجيش هو هذه المؤسسة ذات العقيدة الوطنية والقومية.. وهو كذلك برأينا أين أصبحت التصريحات السابقة والصادرة عن نفس المسؤولين بأن الجيش متماسك وموحّد ويلتف حوله جميع المواطنين وهذا ما نؤكده نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى.


ما الذي تغيّر، ثم ما معنى الحديث عن خطر فتنة سنية شيعية وفتنة إسلامية مسيحية.. ألم يدرك هؤلاء بعد بأن اللبنانيين كفروا بالحروب وبأنه لا عودة للحرب الأهلية.


ألم تدرك هذه السلطة بأننا جميعاً متمسكون باتفاق الطائف وبكل مندرجاته ونعتبر أن تطبيقه بكامله وبأقصى سرعة هو مطلبنا الأساسي.


هل نسيت هذه السلطة بأن هذا الاتفاق والذي كان الرئيس الشهيد مهندسه الرئيسي هو مقدّس بالنسبة إلينا وبأننا نعتبر أنه يحقق لبنان الوطن والرسالة وبأنه صنع مستقبل عربي مشرق للبنان.


ألا تعلم هذه السلطة بأننا لن نقبل بأن نستبدل عروبتنا ووطنيتنا اللبنانية بهويات وكيانات إثنية وطائفية وسنبقى كما كان الرئيس الشهيد حامين للمقاومة مدافعين عنها لأنها قدمت للبنان والعرب ما لم يقدمه أحد في صراعنا مع العدو الإسرائيلي وهذا وسام نعلقه على صدورنا وصدر كل الوطن.


ألا تعلم هذه السلطة بأن هدفنا الأساسي هو بناء أفضل العلاقات وأميزها بين لبنان وسوريا وبأننا نريد لهذه العلاقات أن تكون مؤسساتية ثابتة.
إن ممارسات هذه السلطة الساقطة لن تجعلنا أبداً ننزلق في زواريب العنصرية والمذهبية لأن وحدة هذا البلد وعروبته هي كما كان يعمل لها الرئيس الشهيد من أقدس المقدسات ولا نقبل أبداً المساس بها.


من أجل كل ذلك ندعو الى رحيل السلطة بكل رموزها لأنها أصبحت تشكّل خطراً على وحدة الشعب اللبناني، خطراً على المقاومة، خطراً على الدور المميز للبنان خطراً على العلاقات الصحية المطلوبة بين لبنان وسوريا خطراً على العروبة المنفتحة وخطراً على كل اللبنانيين.


دولة الرئيس الشهيد،

يخنقني الصمت والذهول.. أطرق باب مكتبك كعادتي مستجيراً دون مجيب نمضغ من بقايا قلوبنا المحترقة خفقات ليست لنا..

نسمّي أسياخ النار في صدورنا زخات نعاس..

نذبح كل مساء ألف غصة وغصة.


دولة الرئيس..أين ذهبت.. لقد جئت في الضحى وغبت في منتصف النهار.. دولة الرئيس،
إن الحب في أعماقك قد انفجر وشق الى السماء خطوط مسراه.. وتركت لنا رسالة بيضاء قبل أن تنسلّ من بيننا كالطيف، ملبياً نداء الأفق البعيد وملكوت السماء، في مقعد صدق عند مليك مقتدر سلام لك... وسلام عليك.


أما أنتم يا من في مقاعد السلطة، إرحلوا عنا، أخرجوا من النوافذ والأبواب الخلفية رحمة بهذا الشعب المعذّب وبهذا الوطن الجريح.


الزملاء النواب،

في زمن الشدائد تبرز الرجال.

اسمعوا صوت الحق في وجدانكم.

في ضمير كل واحد منكم تكمن الحقيقة.

تصالحوا مع أنفسكم.

حطموا حواجز الخوف والتردد.

الشعب يراقبكم. التاريخ لا يحفظ إلا الأسماء الكبيرة. اكتبوا في هذا التاريخ وبالأحرف الكبيرة لا ثقة بهذه السلطة الساقطة.

* الكلمة التي لم يلقها النائب الحجار في الجلسة النيابية العامة أول من أمس بسبب استقالة الحكومة.

 

//-->