غازي كنعان ورستم غزالة

 

 لقد دمج رستم غزالة بنجاح بين رصيد السلوكية الجبانة والنفاق والانتهازية اللبنانية تحت قدميه ورصيد النهج الذي عشش في عقله وقلبه ومشاعره حاملاً اياه تربية وثقافة وممارسة من نظامه الذي كلفه ادارة لبنان بأسلوبه فكان الحاكم المطلق مثلما كان سلفه اللواء غازي كنعان حتى مع الفارق بين الشخصيتين.

 

 كان غازي كنعان مديراً لمدرسة تحكم اوضاع لبنان وتفرض منهجها الدراسي على الجميع، وكان رستم غزالة واحداً من اساتذتها، فلما احتاج النظام في سوريا المدير غازي كنعان لدور شديد الاهمية في نظامه نفسه تسلم الاستاذ غزالة مكان المدير وظل طيلة ثلاث سنوات يجاهد كي يثبت وجوده بديلاً ناجحاً عن المدير وسبب له ظل غازي كنعان الثقيل هاجساً وكابوساً لم يكن ليتخلص منه رغم الدعم غير المحدود الذي حصل عليه من رأس النظام الاعلى الرئيس بشار الاسد نفسه الذي أشغل كنعان بمهمة مزدوجة للنظام وهي حفظ الامن الداخلي وخاصة في مرحلة تحرك منظمات او منتديات المجتمع المدني واعطاء خبرته في مواجهة التحرك الكردي المتحمس والمندفع من زلزال العراق وآثاره ((الايجابية)) على الوضع الكردي في بلاد الرافدين.. فضلاً عن خبرته في تثمير الهدوء الذي ساد في العلاقات السورية – التركية.

 

 وسار غزالة على نهج كنعان ورجاله بالممحاة يمحو اثر وواقع كل علاقة لأي سياسي او امني لبناني معه ومن اعترض – او تلكأ - في اظهار الولاء له شخصياً جابهه رستم غزالة بالحرم، حتى استسلم الجميع وتربع غزالة وحيداً على رأس السلطة اللبنانية بواسطة الاتباع رؤساء ووزراء ونواب وقضاة ومديرين عامين ورؤساء اجهزة.. مع استثناءات كان ابرزها حالة مدير عام الامن العام اللواء جميل السيد الذي لم يعد يمر على رستم في عنجر بل اصبح له هناك في قصر المهاجرين حظوة لا تعلوها إلا حظوة سليمان فرنجية المميزة.. كما اميل لحود.

 

 لقد وصلت سلطة رستم في لبنان حد فرض رقابة على حركة اللواء غازي كنعان وهو وزير داخلية سوريا حين زار لبنان للاطمئنان على صحة ولده يعرب بعد عملية جراحية للقلب اجريت له في مستشفى ((اوتيل ديو)).

 

 وكانت سلطته – كما كتبنا – مستمدة من الرئيس بشار الاسد الذي ابلغ الجميع وعلناً ان باب دمشق يمر من عنجر حيث رستم غزالة.. قالها الاسد لرفيق الحريري عندما أمره بالتجديد للحود حتى لا يكون ضده شخصياً، وأبلغه لوليد جنبلاط عندما طلب الحوار معه مخيّراً اياه بين ان تكون معي فتؤيد لحود او تكون ضد لحود فتؤيد اسرائيل!!!.

 

واذا كان الشهيد الحريري – رحمه الله – استسلم بعد لقائه الشهير مع الاسد قبل التمديد وتراجع عن كل ما كان يقوله علناً من رفض ومعاندة بعد ان سمع خلال مقابلة لم تستمر الا دقائق معدودة وعلى الواقف تهديداً حاسماً اذا كنت انت ووليد جنبلاط وجاك شيراك تظنون انكم يمكن ان ترغموني على الانسحاب من لبنان فإني والكلام لبشار الاسد مع رفيق الحريري، سأهدم لبنان على رؤوسكم ورؤوس اولادكم قبل ان انسحب!!! وعرّج الحريري على عنجر ليسمع من غزالة ما يجب ان يكون، فإن جنبلاط الذي استقبل رستم وسمع منه ما يفيد فتح الحوار معه بعد رفض التجديد للحود قال علناً انه لن يحاور سوريا عن طريق ضابط امن مهما علت رتبته مع احترامه لموقعه.

 

 ولعل الحدثين اللذين رسما الآن مصير رستم غزالة هما موقف وليد جنبلاط واغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي تكامل الحدثين ما يفيد بداية العد العكسي له وللوجود الامني السوري في لبنان رسمياً وعملياً رغم المعاندة التي يبديها جهازه في لبنان بعد صدور قرار الانسحاب العسكري والامني السوري من لبنان، من خلال اجهزة الامن اللبنانية ومن خلال المخبرين وزراء ونواباً ورؤساء.. ومن خلال الانتقال السري الى شقق ومنازل سرية لعناصره والعمل داخل مكاتب الاحزاب التابعة لها، ومن خلال التمترس العلني في بعض احياء الضاحية الجنوبية لبيروت في حضن حزب الله تحديداً.. وحركة امل.

 

 كان زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري بارتداداته عكس كل تصورات الجهاز الامني السوري – اللبناني الذي تصور للحظة ان غياب الحريري بهذه الصورة البشعة سيرعب كل لبنان سياسيين ومواطنين ومجتمعاً مدنياً ومثقفين واعلاميين.. لكن انتفاضة الاستقلال التي فجرها هؤلاء انقلبت على كل من قرر وخطط ونفذ وموّه وضلل في هذه الجريمة البشعة بعد ان كسرت الانتفاضة بشبابها واحزابها والتفاف الوطن كله حولها عدا المستفيدين من الجهاز الامني اياه حاجز الخوف وانطلقت حناجرها تعبر عما في صدورها من كبت وفي وجدانها من مشاعر وفي ضميرها من صحوة لإنقاذ الوطن والمصير والمواطنين والمستقبل.

 

 وكان لا بد من كبش فداء رسمته الناس صوراً في الشوارع وفي التظاهرات وفي الهتافات وفي المواقف وفي المقالات وفي الحوارات.

 

 واذا كان الصراع في لبنان بدأ الآن داخل صفوف السلطة وأجهزتها الامنية حول من يجب ان يطاح برأسه لينجو الآخرون او النهج فإن مصير رستم غزالة ليس بعيداً عن التضحية في حسابات النظام السوري، والسباق الآن حول من يجب التضحية به في لبنان اميل لحود ام جميل السيد ام رستم غزالة مع آخرين؟

 

 وإذا سحب غزالة الى سوريا تمهيداً لمحاسبته على فشل صنعه امنياً واخلاقياً مشاركة مع آخرين في سوريا صنعوه سياسياً واستراتيجياً، فإن غزالة هو المسؤول السوري الاول الذي اقيمت ضده دعوى قضائية في لبنان (وفي سوريا) بتهمة الاعتداء على حقوق مواطن هو رئيس مجلس ادارة محطة ((الجديد)) المرئية (N.T.V) تحسين خياط واعتقاله وتشويه سمعته بالزعم انه عميل صهيوني.. لماذا؟

 

وبالمناسبة فإن آخر ((انجازات)) غزالة في لبنان وتابعه عدنان عضوم هو اطلاق سراح رنى قليلات لما تملكه من معلومات عن رجال السلطة لبنانيين وسوريين الذين تقاضوا منها المال والرشاوى والهدايا شققاً وسيارات وأرصدة.. عن طريق موقعها في بنك ((المدينة)).. والبعض يعتبر ان اخراجها سبق خروج غزالة من لبنان حتى لا تقع في يد السلطة التي ستكلف الايدي النظيفة من القضاة للتحقيق معها.

 

 وعندها ستتدحرج رؤوس ((كبيرة)) او على الاقل ستنكشف في لبنان وسوريا فأي مصير لرنى بعد خروجها من السجن في لبنان؟ هذا ما ستكشفه وقائع الاسابيع المقبلة.

 

 لقد وصلت الامور الى خواتمها، وربما بات على كثيرين ان يبدأوا ليس تحديد المصير وقد رسم امام اعينهم، بل العمل على تحجيم الخسائر. فالذي حقق كل هذه الاحلام لا يمكن ان يسمح لكابوس ان يمحوها مهما طال.. وهذا ما يجري من إرعاب في ليالي لبنان الآن.. ولعله تمرد النـزع الاخير.

 

 (عودة لصفحة الملف الأسود)

//-->