لسان الدين بن الخطيب

713 - 776 هـ / 1313 - 1374 م


محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله الشهير بلسان الدين بن الخطيب.

وزير مؤرخ أديب نبيل.

كان أسلافه يعرفون ببني الوزير. ولد ونشأ بغرناطة. واستوزره سلطانها أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل سنة 733هـ ثم ابنه (الغني بالله) محمد، من بعده. وعظمت مكانته. وشعر بسعي حاسديه في الوشاية به، فكاتب السلطان عبد العزيز بن علي الميني، برغبته في الرحلة إليه.
وترك الأندلس خلسة إلى جبل طارق، ومنه إلى سبتة فتلمسان سنة773 وكان السلطان عبد العزيز بها، فبالغ في إكرامه، وأرسل سفيراً من لدنه إلى غرناطة بطلب أهله وولده، فجاؤوه مكرمين.
واستقر بفاس القديمة. واشترى ضياعاً وحفظت عليه رسومه السلطانية. ومات عبد العزيز، وخلفه ابنه السعيد بالله، وخلع هذا، فتولى المغرب السلطان المستنصر أحمد بن إبراهيم، وقد ساعده الغني بالله صاحب غرناطة مشترطاً عليه شروطاً منها تسليمه (ابن الخطيب) فقبض عليه المستنصر. وكتب بذلك إلى الغني بالله، فأرسل هذا وزيره ابن زمرك إلى فاس، فعقد بها مجلس الشورى، وأحضر ابن الخطيب، فوجهت إليه تهمة الزندقة وسلوك مذهب الفلاسفة وأفتى بعض الفقهاء بقتله، فأعيد إلى السجن.

ودس له رئيس الشورى (واسمه سليمان بن داود) بعض الأوغاد (كما يقول المؤرخ السلاوي) من حاشيته، فدخلوا عليه السجن ليلاً، وخنقوه. ثم دفن في مقبرة باب المحروق بفاس. وكان يلقب بذي الوزاتين: القلم والسيف، ويقال له (ذو العمرين) لاشتغاله بالتصنيف في ليله، وبتدبير المملكة في نهاره.

ومؤلفاته تقع في نحو ستين كتاباً، منها (الإحاطة في تاريخ غرناطة)، و(الإعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام) في مجلدين، طبعت نبذة منه، و(اللمحة البدرية في الدولة النصرية).

 

 

 

جادك الغيث

 يا زمان الوصل بالأندلس جادك الغيث إذا الغيث هما
في الكرى أو خلسة المختلس لم يكن وصلك إلا حلما
بالدجى لولا شموس الغرر في ليالٍ كتمت سر الهوى
مستقيم السير سعد الأثر مال نجم الكاس فيها وهوى
 سوى أنه مر كلمح البصر وطرٌ ما فيه من عيبٍ
 هجم الصبح هجوم الحرس حيث لذ الأنس شيئاً أو كما
أثرت فينا عيون النرجس غارت الشهب بنا أو ربما
وبقلبي مسكن أنتم به يا أهيل الحي من وادي الغضا
الفضا لا أبالي شرقه من غربه ضاق عن وجدي بكم رحب
 جال في النفس مجال النفس ساحر المقلة معسول اللمى

 بفؤادي نبلة المفترس

سدد السهم فأصمى إذ رمى

  

وخفَّ لتوديعي وتشييع رحلَتي

أخو كلِّ إيثارٍ وكل وفاءِ

وخفَّ لتوديعي وتشييع رحلَتي

وكم من جفونٍ أولعت ببكاءِ

فكم من أكفٍّ أغريت بتصافُح

 

يا محلاَّ لخُلّتي وانتخائي

لم يُبح لي الخروجَ بابُ الرَّخاء

يا محلاَّ لخُلّتي وانتخائي

فبحق تبجُّحي وانتخاء

دلَّ أن الرخاء مغتبطٌ بي

 

 أعلى الصفحة

زارَتْ وقَدْ صَرَفَ العِنانَ الغَيْهَبُ

والصُّبْحُ يُنشر منه بَنْدٌ مُذْهَبُ

زارَتْ وقَدْ صَرَفَ العِنانَ الغَيْهَبُ

يطْفو بِصِفْحَتِها وبعضٌ يَرْسُبُ

والزَّهْرُ في نَهْر المجرَّة ِ بعضها

زُفَّت وحَلَّ لها الحُلِيّ المَغْرِبُ

وكأنما الفَلَكُ المُكَوْكَبُ غادة ٌ

ألْقَى بمَسْمَعِهِ النَّسيمُ الطَّيب

والدَّوْحُ صلَّى بالتَّحيات التي

والوُرْقُ تَتْلُو والبلابِلُ تَخْطُب

والطَّيرُ قد نَفَضَ الجناحَ مُؤذّنا

تُنْمَى إلى هارُوتِهِ إذْ تُنْسَب

بِكْرٌ من الحيّ الحلال ببابل

للحُسْنِ من غُرِّ المعاني مَرْكَبُ

محْجوبَة ٌ في خَدْرِ طِرْسٍ دُونها

فالنّجْمُ للطُّرَّاقِ منها أقْرَب

ممْنوعَة ُ الأبياتِ بالبيضِ الظّبا

كيف اهْتَدَيْتَ وما اسْتبانَ المذْهبُ

ألباب ربّاتُ الحِجالِ بلِ الحِجا

بالطَّيفِ فضلا عن مزارِ يَقْرُب

قد كُنْتُ أقْنَعُ منك في سِنة ِ الكَرى

عن زَوْرتي وتألَّفوا وتألَّبوا

ويئسْتُ إذ عاقَتْكَ أحراسُ العِدا

خَوْفَ القواطِعِ خائفا يترقَّبُ

تالله لو أرسلتَ طيفَكَ لانْثَنى

لو عُلِّلَتْ بالبحْرِ كانت تَلْهَبُ

فأبيْتَ إلا أن تُبَرِّدَ غُلّة ً

حظٍ تَكِدُّ له فحظُّك يطلبُ

فَرَغَ الإلاهُ عن الحُظوظِ فَعَدِّ عن

كالشمسِ إلا أنها لا تَغْربُ

قسماً بِمُهْديك الذي أنوارُه

وأنلْتني فوقَ الذي أنا أطلبُ

لنَعَشت مني مُهْجة ً مَطْلُولة ً

أثْنِي على عُلْياكَ عَزَّ المطلبُ

إيهٍ أبا حسَنٍ بأي عبارة

في مثلها باغي المكارِمِ يَرْغَبُ

طَوَّقتني منها قِلادَة مَفْخرٍ

لا يسْتَقلُّ بحمْلِها لي مَنْكِبُ

هذا وكم لك منْ يدٍ مَشفُوعة ٍ

والشمسُ نازَعَها الضِّياءَ الكَوْكَبُ

وإليكَها كالبَحْر قِيسَ بمذْنَبٍ

كالضَّرْع جفَّ وشحَّ مما يُحْلبُ

وتوَخَّني بالعُذْرِ إنَّ قريحتي

ما إنْ له إلا العِنايَة َ مُوجِب

أمَّا دُعاؤكَ لي فعِلْمي أنَّه

وبِساطُ حالِ الوقتِ عنه يُعْربُ

والوقْتُ فيه للقَبُولِ مَظِنَّة ٌ

فهَصَرْتُه وهو الكثيرُ الأطْيَبُ

هذا جنًى غَرَسَتْه كفُّ رِضاكَ لي

ما يوجب الإحسانَ لا ما يَسْلُبُ

ونَتِجَة ٌ قَدَّمْتُ عند قِياسها

والدّمعُ من عيني يفيضُ ويَسْكُبُ

لكنْ غَدَوْت برغم أنفي قاعِدا

فالضّعفُ يُمْسك والتَّشوُّقَ يَجْذبُ

وتنازعَ القَصْدانِ عَزْمي عندها

والقلبُ بين الحالتينِ مُذَبْذَبُ

والعزْمُ بين المقصِدَين مُرَدَّدٌ

للفَرِّ والتأويلُ فيه يُجَنَّبُ

ولو أنني ألْفيَتُ طِرْفاً يُرْتَضى

فيها أخو جِدٍّ كمن هو يلْعبُ

وإذا تَبَيَّنَتِ المقاصِدُ لم يكن

وحثَثْتُه للحرْبِ فيما أحْسِبُ

لبذلتُ فيه كلّ ما مَلكَتْ يدي

يشْقَى بطَعْنتِه العدُوُّ الأصهَبُ

وهزَزْتُ فيه كلّ أسمَرَ ذابلٍ

كلا فما قلبي لذُعْرٍ يَنْحَبُ

ما بِنْتُ عنه لفَرْطِ جبنٍ فاضِحٍ

فإذا فررْتَ إليه منه المهْرَبُ

والحتْفُ غاية ُ من يرُوحُ ويغتدي

وهي الطَّريقة ُ والسَّبيلُ الأصْوبُ

وحَذَرْتَ لي عُقْبى القطيعة جاهداً

فإذا ظَننْتُ فإنها لا تكْذِبُ

لكن لديَّ فراسة ٌ معضْودَة ٌ

ظنٌّ يكادٌ الحقُّ فيه يَغْلبُ

والشّرْعُ يعتبرُ الظُّنونَ وسيما

بهِمُ خبيرٌ ماهرٌ ومُجَرِّبُ

كِلْني لعلمي في صحابي إنني

منهُم بواطِنٌ عن عِيانِك غُيَّبُ

لك ظاهِرٌ منهم حَكَمْتَ به ولي

أو عاذِرٌ أو عاذِلٌ ومُؤنِّبُ

سِيانِ منهم واصلٌ أو هاجِرٌ

سَعة ٌ وفي عرْضِ البسيطة ِ مَذْهبُ

مهما جفاني صاحِبٌ في الناس لي

وموَدّة ُ الأكفاءِ أمرٌ يَصْعُب

لا تسْتَقِرُّ على التّنافُس صُحْبَة ٌ

أوصافُه وعلا عليه الطُّحْلُبُ

والماءُ إن ألف الثَّواء تغيَّرتْ

في الدّهْرِ كالعنْقاءِ بل هو أغْربُ

إنّ الصّداقة َ لفْظة ٌ مدْلُولها

ضاعت وكم ذهبٍ رأينا يَذْهبُ

كم فضّة ٍ فُضَّتْ وكم من ضَيْعة ٍ

أسْمى وأسْنى ما اكْتَسَبْتَ وتَكْسِبُ

إلا الصداقَة َ فهي ذُخْرٌ خالدٌ

عِلْمٌ بمن يرضى ومن يغْضَب

وإذا رَضِيَت وقد رَضِيتَ فليس لي

لم لا وأنت الأهلُ عِنْدي والأبُ

وإذا بَقيتَ فلستُ أبكي مَنْ مَضَى

آوي وفي مَرْضاتِهِ أتَقَلَّبُ

أمحلَ والدي الذي لجَنابِه

والأمرُ يُفْصِحُ بالمسير ويُعْرِب

خيَّرتَني بين المُقام أو السُّرى

حُكْمُ الإباحة ِ ما اسْتبانَ الأوجب

فترجَّحَ العزْمُ الحثيثُ وساقِطٌ

لأخافُ من يَبْغي عليَّ ويَعْتِبُ

ووعَدَت بالعذْرِ الجميلِ وإنني

يُرْدِي الأعادي منك ماضٍ مُقْضِب

نَبهَت لمَّا نِمْتُ عنك مُؤمَّلا

لكن أبوها دونَ فَخْرٍ مُنْجِب

فامدُدْ لها كُفّا بُنَيَّة ساعة ٍ

عَرَضْتَ لنا أصلا فقلنا الرَّبرب

وإذا أتَتْكَ عشية ً فامْدُدْ لها

أعلى الصفحة

//-->