|
من
أسرار البيان في سورة المدثِّر
بسم الله الرحمن
الرحيم
الأستاذة رفاه محمد علي
زيتوني
قال الله جل
جلاله من سورة
المدَّثِّر:(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا
تُبْقِي وَلا
تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا
جَعَلْنَا
أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا
فِتْنَةً
لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
وَيَزْدَادَ
الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ
مَنْ يَشَاءُ
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ
وَمَا هِيَ
إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ). [المدثر: 26- 31] هذه الآيات الكريمة من
سورة المدثِّر.
هذه السورة، التي افتتحت بنداء النبي صلى الله عليه وسلم:{يَا
أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ}[1] ، كما افتتحت بهذا النداء السورة، التي قبلها:{يَا
أَيُّهَا
الْمُزَّمِّلُ}[1]. وكلاهما نازل على المشهور في قصةٍ واحدةٍ. وتلك بُدِئت
بالأمر بقيام
الليل:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً}(2)، وهو عبارة خاصة. وهذه
بدئت بالأمر
بالإنذار:{قُمْ فَأَنْذِرْ}[2]، وفيه من تكميل الغير ما فيه. وهي مكية
بالإجماع، على
ما قال ابن عطية. وفي التحرير: قال مقاتل: إلا آية، وهي قوله
تعالى:{وَمَا
جَعَلْنَا عدتهم إِلاَّ فِتْنَةً.. الخ }[31]. وظاهر هذه الآية يشعر
أنها مكية. وقد
اختلفت الروايات في سبب ومناسبة نزول هذه السورة، فهناك روايات
تقول: إنها هي
أول ما نزل في الرسالة بعد سورة العلق ، ورواية أخرى تقول: إنها نزلت
بعد الجهر
بالدعوة وإيذاء المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن الزهري: أول ما
نزل من القرآن
قوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق:1]. إلى
قوله تعالى:
{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق:5]، فحزن رسول الله
صلى الله عليه
وسلم، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل- عليه السلام- فقال: إنك
نبي الله. فرجع
إلى خديجة ، وقال: دثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماء باردًا. فنزل قوله
تعالى:{يَا
أَيُّهَا الْمُدَّثِّر}.
وأيًا ما كان السبب
والمناسبة- على ما قال
سيد قطب رحمه
الله- فقد تضمنت السورة الكريمة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب
النبي صلى الله
عليه وسلم لهذا الأمر الجلل. أمر الدعوة إلى الله تعالى ، والجهاد
في سبيله،
وإنذار البشر من عذابه وعقابه، وتوجيههم إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان
:{
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ }[1-2]، مع توجيهه عليه الصلاة
والسلام إلى
التهيؤ لهذا الأمر العظيم، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه الله إليه:
{وَرَبَّكَ
فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا
تَمْنُنْ
تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ }[3-7].
وقوله تعالى:{قُمْ
فَأَنْذِرْ}
قال ابن عباس رضي الله عنهما:” قم نذيرًا للبشر“. أي: تهيَّأ لذلك..
والإنذار هو
أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد الغافلين
السادرين في
الضلال، وهم لا يشعرون. وواضح من ذلك أن المراد بهذا الإنذار العموم،
دون تقييده
بمفعول محدد، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا
كَافَّةً
لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ}
[سبأ:28]. والفاء في قوله تعالى:{فَأَنْذِرْ} مع كونها عاطفة للترتيب،
فإنها تدل على
وجوب إيقاع الإنذار بتبليغ الرسالة بعد التهيؤ له مباشرة، دون مهلة..
وفي ذلك دليل
على أن الإنذار فرض واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، لا بدَّ منه،
وهو فرض على
الكفاية، فواجب على الأمة أن يبلغوا ما أنزل إلى الرسول، وأن ينذروا
كما أنذر. قال
تعالى:{فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ
لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ
إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة: 122]. ثم إن في قوله تعالى:{قُمْ
فَأَنْذِرْ}
إشارة إلى قوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً}
[الإسراء:15] . والتهيؤ للإنذار المعبَّر عنه بصيغة الأمر { قُمْ } لا
يكون إلا بفعل
ما تلا هذه الآية من توجيهات للرسول صلى الله عليه وسلم.. فبعد أن
كلفه سبحانه
وتعالى بإنذار غيره، شرع سبحانه بتوجيهه في خاصَّة نفسه، فوجهه أولاً
إلى توحيد ربه،
وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله. ووجهه ثانيًا إلى تطهير قلبه
ونفسه وخلقه
وعمله. ووجهه ثالثًا إلى هجران الشرك وموجبات العذاب. ووجهه رابعًا إلى
إنكار ذاته
بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة، ووجهه خامسًا وأخيرًا
إلى الصبر لربه.
أولاً : أما
توجيهه إلى توحيد ربه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله
وكماله فهو
المراد بقوله تعالى:{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}[3].. وذلك لأن الرب وحده هو
المستحق
للتكبير، لأنه الأكبر من كل كبير. وهو توجيه يقرِّر الله جل وعلا فيه معنى
الربوبية
والألوهية، ومعنى التوحيد، والتنزيه من الشريك. وبيان ذلك: أن تكبير الرب
جل وعلا يكون
بقولنا:( الله أكبر ). فقولنا:( الله ) هو إثبات لوجوده عز وجل.
وقولنا:( أكبر ) هو
نفيٌ لأن يكون له شريك، لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك
الآخر، فيما
يكون فيه الاشتراك.
وبهذا يظهر لنا
أهميَّة هذا التوجيه الإلهي
للرسول الكريم،
الذي انتدبه ربه لأن يكون نذيرًا للبشر ، فإن أول ما يجب على المرء
هو معرفة الله
تعالى، ثم تنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله ، وإثبات ما يليق به جل
وعلا.. وقد روي
أنه لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصلاة والسلام:(الله أكبر).
فكبَّرَت معه
خديجة، وفرحت، وأيقنا معًا أنه الوحي من الله عز وجل، لا غيره.. وفي
التعبير عن لفظ
الجلالة بعنوان الربوبية، وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، من
اللطف ما لا
يخفى !.
وقيل:
الفاء في قوله تعالى:{فكبِّر}، وفيما بعده، لإفادة
معنى الشرط،
وكأنه قال: ومهما يكن من أمر ، فكبر ربك، وطهِّر ثيابك، واهجر الرجز،
واصبر لربك.
فالفاء على هذا جزائية. ويسميها بعضهم: الفصيحة ، لأنها تفصح عن شرط
مقدَّر.
والحقيقة أن هذا تجنٍّ منهم على هذه الفاء، لأن ما نسبوه إليها من الدلالة
على هذا
الإفصاح المزعوم ، إنما هو من فعلهم هم، لا من فعل هذه الفاء، لأنهم لما
رأوها متوسطة
بين ما يسمونه عاملاً، ومعموله المقدم عليه، وكان جمهورهم قد أجمع على
أن ما بعد
الفاء لا يعمل في ما قبلها، لجأوا في تأويل الآية الكريمة إلى هذا
التأويل، الذي
لا يتناسب مع بلاغة القرآن، وأسلوبه المعجز في التعبير. فأين قول
الله جل وعلا:{
وَرَبَّكَ فكَبِّرْ } من قولهم في تأويله: مهما يكن من شيء، فكبر
ربك؟ ولهذا قال
بعضهم: إن هذه الفاء دخلت في كلامهم على توهم شرط، فلما لم تكن في
جواب شرط محقق،
كانت في الحقيقة زائدة، فلم يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها
لذلك.. وكذا
القول في بقية الآيات.
وكلا القولين
فاسد، لما فيه من إخلال بنظم
الكلام. أما
إخلاله بالنظم فظاهر. وأما إخلاله بالمعنى فإن الغرض من تقديم قوله
تعالى:{
وَرَبَّكَ } هو التخصيص. ولربطه بما بعده، وهو قوله تعالى:{كَبِّرْ
}،
ولجعل هذا
الأمر واجبَ الحدوث، دون تأخير، جيء بهذه الفاء الرابطة، فقال
سبحانه:{وَرَبَّكَ فكَبِّرْ }. هذا المعنى لا نجده في قولهم: مهما يكن من شيء، فكبر
ربك، لأن الشرط
مبناه على الإبهام. والمبهم يحتمل الحدوث، وعدم الحدوث. فإذا قلت:
إن جاءك زيد
فأعطه درهمًا، فإن الأمر بإعطاء الدرهم- وإن كان مستحقًا بدخول الفاء-
فإنه مرتبط
بمجيء زيد، ومجيء زيد ممكن الحدوث، وغير ممكن.
ولهذا لما أراد
الله
تعالى أن يجعل
الأمر بالتسبيح، والاستغفار الواقعين جوابًا للشرط أمرًا واجب
الحدوث، استعمل
من أدوات الشرط( إذا ) التي تدل على أن ما بعدها محقق الحدوث، لا
محالة، ثم أدخل
الفاء الرابطة على الجواب، وذلك قوله تعالى:{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ
اللَّهِ
وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ
أَفْوَاجًا *
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
}[النصر:1- 3].
وكذا قوله تعالى:{ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ
يَوْمَئِذٍ
يَوْمٌ عَسِيرٌ }[المدثر:8-9]. وكذا القول في بقية الآيات.. فتأمل
!.
ثانيًا- وأما توجيهه
إلى تطهير قلبه ونفسه وخلقه وعمله فهو المراد بقوله
تعالى:{
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ }[4]. وطهارة الثياب- في استعمال العرب- كناية عن
طهارة القلب
والنفس والخلق والعمل. إنها طهارة الذات، التي تحتويها الثياب، وكل ما
يلمُّ بها أو
يمسُّها.. يقال: فلان طاهر الذيل والأردان، إذا كان موصوفًا بالنقاء
من المعايب
ومدانس الأخلاق. ويقال: فلان دنس الثياب للغادر، ولمن قبح فعله. وكانت
العرب إذا نكث
الرجل، ولم يف بعهد، قالوا: إن فلانًا لدنس الثياب. وإذا وفى وأصلح،
قالوا: إن
فلانًا لطاهر الثياب. وطهارة ذلك كله يستلزم طهارة البدن والثياب، لأن من
كان طاهر القلب
والنفس والعمل، فمن باب أولى أن يكون طاهر الجسم والثياب
!.
وبعد.. فالطهارة
بمفهومها العام هي الحالة المناسبة لتلقي الوحي من الملأ
الأعلى، كما
أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة. وهي بعد هذا وذلك ضرورية لملابسة
الإنذار
والتبليغ، ومزاولة الدعوة في وسط التيارات المختلفة، والأهواء المتنازعة،
وما يصاحب ذلك
ويلابسه من أدران الشرك وشوائبه. وذلك يحتاج من الداعية إلى الطهارة
الكاملة كي
يملك استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن
يتدنس.
ثالثًا- وأما توجيهه
إلى هجران الشرك وموجبات العذاب فهو المراد
بقوله تعالى:{
وَالرُّجْزَ
فَاهْجُرْ
}(5). أي: فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما
يؤدي إليه من
الشرك، وغيره من القبائح. والرُّجز- في الأصل- هو العذاب، ثم أصبح
يطلق على
موجبات العذاب.. وأصله الاضطراب، وقد أقيم مقام سببه المؤدي إليه من
المآثم
والقبائح، فكأنه قيل: اهجر المآثم والمعاصي وكل ما يؤدي إلى العذاب.
وقرأ الأكثرون:
الرِّجز، بكسر الراء، وهي لغة قريش. ومعنى المكسور والمضموم
واحد عند
الجمهور. وعن مجاهد: أن المضموم بمعنى الصَّنم، والمكسور بمعنى العذاب.
وفي معجم العين
للخليل: الرُجز بضم الراء عبادة الأوثان، وبكسرها العذاب. والرسول
صلى الله عليه
وسلم كان هاجرًا للشرك ولموجبات العذاب قبل النبوة. فقد عافت فطرته
السليمة ذلك
الانحراف، وهذا الركام من المعتقدات السخيفة، وذلك الرجس من الأخلاق
والعادات، فلم
يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية. ولكن هذا التوجيه يعني
المفاصلة
وإعلان التميُّز، الذي لا صلح فيه ولا هواده، فهما طريقان مفترقان لا
يلتقيان. كما
يعني هذا التوجيه التحرُّز من دنس ذلك الرجز.. وقيل: الكلام هنا،
وفيما قبله من
باب: إياك أعني، واسمعي يا جارة
!
رابعًا- وأما
توجيهه إلى
إنكار ذاته
بعدم المَنِّ بما يقدمه من الجهد في سبيل الدعوة استكثارًا له ،
واستعظامًا فهو
المراد بقوله:{ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}[6]. وهو نهيٌ عن المنِّ
بما سيبذله من
الجهد والتضحية في سبيل الدعوة إلى ربه. وفيه إشارة إلى أنه سيقدم
الكثير، وسيبذل
الكثير، وسيلقى الكثير من الجهد والتضحية والعناء، ولكن ربه يريد
منه ألا يمتن
بما يقدمه، ويستكثره. فهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحِسُّ بما تبذل
فيها من
تضحيات. فالبذل فيها من الضخامة، بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه. بل
حين لا تستشعره
من الأصل، لأنها مستغرقة في الشعور بالله، شاعرة بأن كل ما تقدمه هو
من فضل الله
تعالى، ومن عطاياه. فهو فضل يمنحها إياه، وعطاء يختارها له، ويوفقها
لنيله، وهو
اختيار واصطفاء وتكريم يستحق الشكر لله، لا المن والاستكثار.. وهذا معنى
قول الحسن
والربيع:( لا تمنن بحسناتك على الله تعالى مستكثرا لها). أي رائيًا إياها
كثيرة، فتنقص
عند الله عز وجل.
وقرأ الحسن،
والأعمش:{تَسْتَكْثِرَ}، بالنصب، على
إضمار( أن ).
وقرأ ابن مسعود: {أَنْ تَسْتَكْثِرَ }، بإظهار( أن ). فالمن بمعنى
الإعطاء،
والكلام على إرادة التعليل. أي: ولا تعط لأجل أن تستكثر. أي: تطلب الكثير
ممن تعطيه..
وعلى هذا المعنى قول ابن عباس:(لا تعط مستكثرًا). أي: طالبًا للكثير
ممن تعطيه. فهو
نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئًا، وهو يطمع أن يتعوَّض من
الموهوب له
أكثر مما وهب له.
قال الفرَّاء في معاني
القرآن معقبًا على قراءة ابن
مسعود:( فهذا
شاهد على الرفع في{تَسْتَكْثِرُ}. ثم قال:(ولو جزم جازم على هذا
المعنى، كان
صوابًا). وهو قراءة الحسن- أيضا- وابن أبي عبلة. وخرجت قراءتهما إما
للوقف، أو
الإبدال من{ تَمْنُنْ }، كأنه قيل: ولا تمنُنْ، لا تستكثرْ ، على أنه من
المنِّ، الذي
في قوله تعالى: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللّهِ ثُمَّ
لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى }[البقرة:262]،
لأن منْ يمُنُّ
بما يعطي، يستكثره، ويعتد به.
خامسًا- وأما
توجيهه إلى
الصبر لربه فهو
المراد بقوله تعالى:{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ }[7]. أي: اصبر لربك
على أذى
المشركين.. والأحسن حمله على العموم، فيفيد الصبر على كل مصبور عليه،
ومصبور عنه
ويدخل فيه الصبر على أذى المشركين، لأنه فرد من أفراد العام، لا لأنه
وحده هو
المراد. والصبر بمفهومه العام هو الوصية، التي تتكرر عند كل تكليف بهذه
الدعوة، أو
تثبيت، وهو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، معركة الدعوة إلى الله
تعالى. وهي
معركة طويلة عنيفة، لا زاد لها إلا الصبر، الذي يقصد فيه وجه الله جل
وعلا، ويتجه به
إليه احتسابًا عنده وحده. وعن ابن عباس- رضي الله عنهما-: الصبر في
القرآن على
ثلاثة أوجه: صبر على أداء الفرائض، وله ثلاثمائة درجة. وصبر عن محارم
الله تعالى،
وله ستمائة درجة. وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى ، وله تسعمائة
درجة، وذلك
لشدته على النفس، وعدم التمكن منه، إلا بمزيد اليقين.. ولذلك قال صلى
الله تعالى
عليه وسلم:(أسألك من اليقين ما تهون به عليَّ مصائب الدنيا).
وللصبر
المحمود فضائل
لا تحصى. ويكفي في ذلك قوله تعالى:{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُم
بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر:10]، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم:(قال الله
تعالى: إذا
وجهت إلى العبد من عبيدي مصيبة في بدنه، أو ماله، أو ولده، ثم استقبل
ذلك بصبر جميل،
استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانًا، أو أنشر له ديوانًا).
فإذا ما انتهى
هذا التوجيه الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم، اتجه السياق إلى بيان
ما ينذر به
الكافرين، في لمسة توقظ الحس لليوم العسير، الذي ينذر بمقدمه النذير،
فقال سبحانه:{
فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ* فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
* عَلَى
الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير}[المدثر:8-10]. إنه التهديد، والوعيد للمكذبين
بالآخرة بحرب
الله المباشرة.. والنقر في الناقور هو ما يعبر عنه بالنفخ في الصور.
ولكن التعبير هنا أشد
إيحاء بشدة الصوت ورنينه، كأنه نقر يُصَوِّت ويُدَوِّي ،
وأصله القرع،
الذي هو سببه. ومنه منقار الطائر، لأنه يقرع به. والصوت الذي، ينقر
الآذان- أي:
يقرعها قرعًا- أشد وقعًا من الصوت، الذي تسمعه الآذان، ولذلك وصف الله
تعالى ذلك
اليوم، الذي ينقر فيه بالناقور بأنه:{يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}، ثم
أكَّده بنفي كل
ظل لليسر فيه:{عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير}. فهو عسر كله، لا
يتخلله يسر
أبدًا.
والفاء في قوله
تعالى:{ فَذلِكَ } للجزاء، وذلك إشارة إلى
وقت النقر
المفهوم من قوله تعالى:{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}. أي: فذلك
اليوم، الذي
ينقر فيه بالناقور يوم عسير على الكافرين ، غير يسير.
وفي الإشارة
بـ{ذلك} الدالة
على معنى البعد، مع قرب العهد لفظًا بالمشار إليه إيذان ببعد منزلته
في الهول
والفظاعة. ثم ترك هذا اليوم مع وصفه هكذا مجملاً منكرًا يوحي بالاختناق
والكرب والضيق
والهول العظيم.. فما أجدر الكافرين، وغيرهم من المؤمنين الغافلين أن
يستمعوا
للنذير، قبل أن ينقر في الناقور، فيواجههم هذا اليوم العسير!
وقوله
تعالى:{غَيْرُ
يَسِير}. أي: غير سهل، ويفيد تأكيد عسره على الكافرين، فهو يمنع أن
يكون عسيرًا
عليهم من وجه دون وجه، ويشعر بتيسُّره
على المؤمنين،
كأنه قيل: عسير
على الكافرين،
غير يسير عليهم، كما هو يسير علي أضدادهم المؤمنين. ففيه جمع بين
وعيد الكافرين
وزياد غيظهم، وبشارة المؤمنين وتسليتهم. ولا يتوقف هذا- كما لا يخفى-
على تعلق{عَلَى
الْكَافِرِينَ} بـ{يَسِير}، وإن كان تعلقه عليه أظهر. ثم- مع هذا-
لا يخلو قلب
المؤمن من الخوف من هذا اليوم. روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه
قال: لما نزلت
{فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}، قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم:”
كيف أنعَم ، وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته، يستمع متى يؤمر؟
قالوا: كيف
نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ، ونعم الوكيل، وعلى الله
توكلنا).
واختلف في أن المراد به يوم النفخة الأولى، أو الثانية.
والحق أنها النفخة
الثانية، إذ هي
التي يختص عسرها بالكافرين، وأما النفخة الأولى فحكمها، الذي هو
الاصعاق يعم
الجميع، على أنها مختصة بمن كان حيًّا عند وقوعها.
وينتقل السياق
بنا من هذا
التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من الكافرين المكذبين، يبدو أنه كان
له دور كبير في
التكذيب والتبييت للدعوة. قيل: إنه الوليد بن المغيرة المخزومي.
فيرسم الله
تعالى مشهدًا من مشاهد كيده. يقول سبحانه متوعدًا ومهددًا:{ذَرْنِي
وَمَنْ
خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ
شُهُودًا*
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}[11- 15] أي:
ذرني مع من
خلقته وحيدًا فريدًا، لا مال له، ولا ولد، ثم جعلت له مالاً كثيرًا
مبسوطًا- ما
بين مكة والطائف- يعتزُّ به، وبنين حضورًا، يتمتع بمشاهدتهم، لا
يفارقونه
للتصرف في عمل، أو تجارة لكونهم مكفيين لوفور نعمهم وكثرة خدمهم. أو
حضورًا في
الأندية والمحافل لوجاهتهم واعتبارهم- فيل: كان له عشرة بنين، وقيل:
ثلاثة عشر،
وقيل: سبعة كلهم رجال- وهيَّأت له الرياسة والجاه العريض تهيئة ،
يتبطَّر بهما
ويختال، حتى لقِّب بريحانة قريش، ثم هو بعد ذلك كله يطمع في المزيد..
فذرني معه،
أكفيك أمره، ولا تشغل بالك بمكره وكيده.
وقوله تعالى:{وَحيدًا}-
على ما تقدم-
حال من العائد المحذوف في {خَلَقْتُ}. وقيل هو حال من الياء في
{ذَرْنِي}. أي:
ذرني وحدي معه، فإني أكفيكه في الانتقام منه. وقيل هو حال من التاء
في {خَلَقْتُ}
أي: خلفته وحدي، لم يشركني في خلقه أحد. والقول الأول أجمع الأقوال
الثلاثة.
أما قوله
تعالى:{ذَرْنِي} فهو من:( وزر يذر) كـ( وَدَع يدع )، إلا أن(
وزر) لم يستعمل
في كلامهم، بخلاف( وَدَع ). قال سيبويه: ولا يقال: وذر، ولا ودع،
استغنوا عنهما
بترك. وهذا إنما يخرَّج على الأكثر في( ودع ). ففي القرآن ورد قوله
تعالى:{ ما
ودَعك ربك }، بالتخفيف، وهي لغة كلغة التشديد، وليست مخففة منها، كما
يقال.. ثم هي
قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة عروة ابن الزبير. وفي صحيح
مسلم: أن عبد
الله بن عمر وأبا هريرة سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(
لينتهيَّن
أقوام عن ودَعهم الجُمُعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من
الغافلين“. وفي
كشف الخفاء
للعجلوني عن
أبي داود عن رجل من الصحابة عن النبي صلى
الله عليه
وسلم:” دعوا الحبشة ما ودَعوكم واتركوا الترك ما تركوكم". ويقال:( يذَر
الشيءَ ) كما
يقال:( يدَع الشيء ). ومعناهما متقارب، إلا أن( يذر) يستعمل في مقام
التهديد
والوعيد، لما فيه من معنى الدفع والقذف، أما( يدع ) فيستعمل في مقام الكره
والبغض، لما
فيه من معنى التوديع.. تأمل معنى الأول في قوله تعالى:{وَيَذَرَكَ
وَآلِهَتَكَ}
[الأعراف:127] ، وقوله تعالى:{فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ
الَّذِي فِيهِ
يُصْعَقُونَ} [الطور:45]. وتأمل معنى الثاني في قوله تعالى:{ مَا
وَدَعَكَ
رَبُّكَ ومَا قَلَى } [الضحى:3]. والتشديد فيه للمبالغة ، لأن من ودَّعك
مفارقًا فقد
بالغ في تركك.
أما قوله تعالى:{
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } فهو
استبعاد لطمعه
وحرصه على الزيادة، واستنكار
لذلك. هذا ما
دلت عليه { ثُمَّ
}. وإنما
استبعد ذلك منه، واستنكر، لأنه أعطي المال والبنين، وبسط له الجاه العريض،
والرياسة في
قومه، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا، فلا مزيد على ما أعطي
وأوتي.. أو لأن
طمعه في الزيادة لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة
المنعم، ولذلك
ردعه الله تعالى ردعًا عنيفًا عن ذلك الطمع، الذي لم يقدم طاعة ولا
شكرًا لله،
يرجو بسببه المزيد، بل عاند دلائل الحق، ووقف في وجه الدعوة، وحارب
|