مسابح الفيروز والفيروز المقلد

(Turquoise)

 

لفظة الفيروز معربة عن الفارسية (بيروذة) ، وتعني بالفارسية "النصر" . كما دعي هذا الحجر بأسماء أخرى أحيانا ، ففي العراق يسمى "الشذر" مع أن هذه الكلمة تعني القطع الصغيرة . ويعرف حجر الفيروز بالتركواز Turquoise لدى معظم الأوبيين بسبب نسق التصدير السابق من إيران إلى تركيا ثم إلى فرنسا ، حيث سموه الفرنسيون بالحجر التركي ، ولا يزال الاسم سائدا .

 

وهذا الحجر من جملة الأحجار التي عرفت في التاريخ منذ عصر الفراعنة عند الألف الرابع قبل الميلاد ، حيث اهتم المصريون بالبحث عنه في صحراء سيناء وغيرها من الأراضي المصرية وقد صنعوه عقودا وحلي مختلفة ونحتوا منه الجعل (الخنفسة) وغيرها ، وكشفت في مدافن المصريين القدماء عن عدد كبير من هذه الحلي والتمائم ، كذلك صدّر المصريون القدماء هذا الحجر إلى المناطق القريبة منهم . كما عرف هذا الحجر الأغريق وأقوام الصين ، وامتد استخدامه إلى القبائل القديمة الهندية في المكسيك وأمريكا الوسطى وسكان البيرو (الأنكا) كما عرف الحجر في تركستان (جنوب روسيا) . ومناطق إنتاج هذا الحجر في الأزمان الغابرة كانت في صحراء سيناء - مصر ، ومنطقة نيسابور (إيران) وخراسان ، والمكسيك والصين وبيرو . ولاتزال بعض هذه المناطق تنتج الفيروز إلى اليوم . أما مناطق إنتاجه الجديدة الأخرى فهي في جنوبي غربي الولايات المتحدة وإمريكا الجنوبية والصين وإيران إلى حد ما .

 

إن أفضل أنواع الفيروز وأجملها ما كان مستخرجاً من منطقة (نيسابور) في إيران حيث يحظى هذا النوع من الحجر بشهرة واسعة في منطقة الشرق الأوسط يليه الحجر المستخرج حديثا من صحراء سيناء .

والفيروز حجر نحاسي يتكون من ترسب فوسفات النحاس الألمونيوم القاعدية وقد تدخل في تركيبه عناصر أخرى تسبب أحيانا اختلاف في ألوانه . حيث أن اللون الأساسي هو الأزرق السماوي والذي يرجع إلى وجود مكونات ومركبات النحاس . لذا فإن مال لون الحجر إلى الإخضرار فذلك معناه وجود عنصري النحاس والحديد معا في التركيب .

 

إن أجود ألوان الفيروز المرغوبة ما كان أزرقاً صافياً ، مشرقا كثير المائية ، مستوياً . وقد تجعل هذه الصفة فيه جوهرا غالي الثمن ونادرا .

ومن الفيروز ، ما كانت العروق السوداء المتشعبة تسري على سطح ألوانه الزرقاء ، والبعض من الأحجار تزداد زرقتها أو تميل للإخضرار وهنا قد يفقد الحجر بعضا من قيمته . وبسبب تركيب الفيروز الأساسي النحاسي فإن بعض أحجاره تميل إلى التأكسد وقد يطرأ تغير على الألوان . وغالبا ما يحذر من تعرضه للدهون ومن المواد الكيماوية الأخرى .

 

لقد أحاطت الأساطير بحجر الفيروز واعتبر حجر النصر والحجر الذي يستطيع كشف أسرار الإنسان النفسية عند تغير ألوانه وغيرها من الخرافات ، مما كان لها الأثر الكبير في إزدياد الطلب على الفيروز , منذ أقدم الأزمان .

ولم ينجح الناس في تقليد وتدليس حجر مثل حجر الفيروز الأصيل وخصوصا عند طحن المواد والشظايا غير المرغوب فيها منه مع إضافة الأصماغ وتوليفها وتصنيع كافة الأحجام والأشكال المطلوبة بعد الصقل الجيد .

لقد برزت منذ القدم صعوبة نحت الفيروز على شكل حبيبات مكورة ذات ألوان موحدة . إلا أن التقنية الحديثة في القطع والتصنيع حلّت هذه المشكلة فضلا عن ازدياد الطلب على حبيبات الفيروز بدلا من الفصوص والقطع المستعرضة أو المقببة . وهناك الكثير الكثير مما يمكن أن يثار حول حجر الفيروز نظرا لتداخله منذ الزمن القديم في كثير من صناعات الحلي ، وخصوصا الحلي العربية والبدوية والشرقية أو الغربية على حد سواء .

 

أما فيما يخص مسابح الفيروز فهي ثلاثة أنواع حسب مصدر الحجر .

أولها المسبحة الفيروزية النيسابورية (في إيران) حيث أنتجت وصنعت بأعداد قليلة جداً ، وتعتبر من النوادر ومن أغلى مسابح الفيروز والواقع فهي يمكن أن تصنف على أنها من الجواهر الكريمة . ويعود السبب إلى كلفة الفيروز النيسابوري المرتفعة وإلى صعوبة الحصول على خاماته بأحجام مناسبة تصلح لصناعة المسبحة . ولعل أندرها ما كانت حباتها ذات شكل كروي . كما لاحظنا أن حجم (أي قطر الحبة) لا يزيد عن (4) ملم ، معضمها أضيفت إليه فواصل ومنارات من الذهب وأحيانا من نفس نوع الفيروز ، ولم تعد ترى في هذه الأيام مسابح من هذا النوع والتي يميل لونها إلى الأزرق السماوي الفاتح واللمعان البراق وذو المائية الجيدة الصالحة للانعكاس الضوئي الرائق .

 

ثاني الأنواع الفيروزية هي مسابح فيروز سيناء في مصر ، حيث أفرزت فترة السبعينات والثمانينات إنتاج واسع ووافر مقارنة بالنوع الأول السابق ، على الرغم من السعر المرتفع التي تباع به . وحبات فيروز سيناء أكبر حجما في العادة وبالمقارنة أيضا وقد يزيد قطر حباتها أحيانا عن (5) ملم ، مع تمكن الحرفيين المصريين من صناعة المنارات والفواصل من نفس نوع المادة وإن كان بعضها صنعت له المنارات والفواصل من الذهب أو الفضة . وبعض الحبات من هذا النوع يشوب سطحها شوائب سوداء اللون أو بقع بيضاء إلا أنه لا يلغي جماليتها أو يلغي الطلب عليها . كما لوحظ عدم التساوي المطلق في ما بين أحجام الحبيبات الكروية أو البيضوية وأندرها ما كان ذات حبات متساوية في اللون والحجم واللون تماما . ولقد شاهدنا مسابح نادرة من هذا النوع ، على أية حال ، غاية في الإتقان والجمال عند التطلع إلى صفاء أديم حباتها الزرقاء المشرقة وهذا النوع ذو أسعار مرتفعة بالمقارنة وبشكل عام مع النوع الأول وفيروز سيناء أكثر زرقة من الفيروز الإيراني .

وفي العقد الأخير صنعت المسابح من الفيروز الأمريكي بالطرق الصناعية الفنية المتقدمة وأمكن انتاج مسابح ذات أقطار حبات تكون بحدود (8) ملم (وبطبيعة الحال توجد أحجام أصغر) إلا أن فواصلها ومناراتها صنعت من الفضة ، ولون حباتها أزرق جميل فاتح اللون معرّق أو منقط باللون الأسود أو تشعباته وبسبب تشابهها مع الفيروز المقلد كثيرا فإن إنتاج المسابح من الفيروز الأمريكي انتهى في هذه الأيام تقريبا .

 

وعدد حبات معظم مسابح الفيروز الأصيل ، مهما كان مصدره يتراوح بين 33 حبة أو 45 حبة وهو الشائع . والنادر والقليل منها ما كان عدد الحبات فيها 99 حبة في المسبحة الواحدة .

ولقد أدى ولع الناس في منطقة الشرق الأوسط بهذا النوع إلى قيام صناع المسابح في ألمانيا وتايوان وهونق كونق والولايات المتحدة والبرازيل وغيرها إلى استنباط مواد مختلفة لتقليد الفيروز سواء تلك المصنعة من دقائق ومخلفات تلك المادة أو من الأتربة والمواد الكيماوية والمصبوغة بنفس ألوان الفيروز . وفي بداية السبعينات انتشر الإنتاج من مسابح النوع الثالث وهي الفيروز المقلد انتشارا هائلا وبصورة لم يسبق لها مثيل ، وتوزعت إلى المخازن والمتاجر وباعة المسابح والمجوهرات ، بأسعار مناسبة جدا ، بأشكال متعددة وأحجام مختلفة لا يمكن لحجر الفيروز الأصيل منافستها . ولقد أقبل الناس على شراء هذا النوع مدفوعين برغبتهم في الحصول على مسابح الفيروز أو ما يشبه الفيروز . وكثير من الناس من ينطلي عليه الفيروز المقلّد .

 

وبسبب اتقان الصناعة فلقد فاقت مسابح الفيروز المقلد الصلادة وثبات ألوان الفيروز الأصيل من حيث عدم تأثرها بالدهون والكيماويات والتأكسد التي تأثر أساسا على حبات الحجر الأصيل ولا تؤثر على أحجار الفيروز المقلدة . وفي مرحلة أخرى تم إنتاج بعض مسابح الفيروز المقلد من مركبات بلاستيكية مخلوطة مع مركبات أخرى مما جعل وزنها نوعياً إجماليا أخف من الأنواع السابقة الذكر . علما بأن صلابة حجر الفيروز الأصيل تتراوح ما بين (5) إلى (6) على مقياس موسى ويبلغ وزنها النوعي من (2.6) إلى (2.9) غم / سم3 .

 

//-->