نظرية الإبصار

 

تشريح العين: هو القدرة الفسيولوجية على الرؤية، والإبصار هو الحاسة التي يمكن من خلالها -عن طريق العضو المختص ألا وهو العين- إدراك العالم الخارجي. وللعديد من الكائنات البسيطة أجهزة استقبال للضوء ومن ثم يمكنها التفاعل مع الحركة والظل، ولكن الإبصار الفعلي يتضمن تكوين الصور في المخ، وتختلف درجات وضوح الصور باختلاف عيون الكائنات المختلفة، ويعالج هذا المقال موضوع الإبصار لدى الآدميين ولدى الحيوانات الأخرى التي لها عيون تشبه العيون الآدمية في تعقيدها إلى حد ما.

المبادىء الأساسية للإبصار: يتعلق الإبصار أساسا بلون الأشياء وشكلها ومسافتها وحجمها الثلاثي الأبعاد. ويبدأ الإبصار بتأثير موجات الضوء على شبكة العين، ولكن إذا كانت هذه الموجات أطول أو أقصر من حد معين، فإنها لا تؤدي إلا إحداث أي تأثير ضوئي. ويعتمد اللون الظاهر لشيء ما اعتمادا جزئيا على طول موجة أو الأطوال الموجية للموجات الضوئية سواء كانت مفردة أو مشتركة بينما يعتمد في جزئية أخرى على حالة العين نفسها كما في حالات عمى الألوان. ويعتمد تألق وسطوع أحد الأشياء على مدى الموجات الضوئية التي تصدر منه للعين وأقل فارق يمكن إدراكه من حيث درجة السطوع له نسبة ثابتة بالمقارنة بشدة أو كثافة الشيء الساطع.

 

كيفية الإبصار: ومن بين مبادئ الإبصار المعتادة أن نقطة فوق الخط المباشر للرؤية تأتي إلى البؤرة عند نقطة معينة من شبكية العين وأسفل مركزها وبالعكس. فإذا نظر شخص آخر إلى شبكية العين، فإنه سيرى أن صورة شكل ما متكونة في هذه الشبكية وأن هذه الصورة مقلوبة. وترتبط أية زيادة في حجم الصورة التي تظهر في شبكية العين باقتراب ذلك الشكل، وإذا توصل إلى نفس هذه النتيجة باستخدام العدسات حتى مع زيادة المسافة الفعلية، فسوف يظهر الشكل وكأنه يقترب. وهذا الاقتراب ينتج عن عملية تفكير لا شعورية، حيث يفسر العقل أي شكل على أنه ذو حجم معروف أو محقق.

ويرجع فضل السبق في وضع نظرية الإبصار السليمة إلى عالم البصريات المسلم ابن الهيثم التي تطور على أساسها علم الضوء الحديث. فالنظرية التي كانت تسيطر على فكر العلماء في الحضارات القديمة وظلت سائدة حتى القرن الرابع الهج ري / العاشر الميلادي أن الضوء ينساب من العين إلى الجسم المرئي، وأن الإبصار يحدث نتيجة لخروج حزمة من الضوء من عين المشاهد إلى الجسم المرئي فتقع الرؤية. فصحح ابن الهيثم هذه الفكرة وقرر أن الإبصار إنما يكون نتيجة سقوط أشعة صادرة من الجسم المرئي إلى العين لتؤثر فيها. وقد أثبت ذلك بقوله في كتاب المناظر : "إما أن يكون (أي الشعاع) جسما أو لا، فإن كان جسما فنحن إذا نظرنا إلى السماء ورأينا الكواكب فقد خرج من البصر جسم ملأ ما بين السماء و الأرض ولم ينقص من البصر شيء، وهذا محال في غاية الاستحالة وفي غاية الشناعة، وإن لم يكن جسما فهو لا يحس هو نفسه بالبصر، فالإحساس ليس إلا للأجسام ذات الحياة".

وقد استطرد ابن الهيثم في نظريته على أساس المعاني التي لا يتم الإبصار إلا بها وهي أن يكون الجسم المرئي مضيئا بذاته أو بإشراق ضوء من غيره عليه، وأن يكون بين الجسم المرئي والعين بعد ما، وأن يكون الوسط الفاصل بينهما مشفا وأن تكون المرئيات ذات حجم وكثافة يسمحان للعين بإبصارها، وأن تكون العين خالية من عيوب الإبصار. ويناقش ابن الهيثم عملية الإبصار بعيدا عن الشطحات والأوهام القديمة فيقول: "إن البصر إذا أحس بالمبصر بعد أن كان لا يحس به، فقد حدث شيء ما بعد أن لم يكن ، وليس يحدث شيء بعد إن لم يكن إلا لعلة، ونجد المبصر إذا قابل البصر أحس به البصر، وإذا زال عن مقابلة البصر لم يحس به البصر، وإذا عاد إلى مبصر لمقابلة البصر عاد الإحساس. وكذلك نجد البصر إذا أحس بالمبصر ثم أطبق أجفانه بطل ذلك الإحساس، وإذا فتح أجفانه والمبصر في مقابلته عاد ذلك الإحساس والعلة هي التي إذا بطلت بطل المعلول وإذا عادت عاد المعلول، فالعلة إذن التي تحدث ذلك الشيء في البصر هو المبصر".

وقد أكمل ابن الهيثم على ذلك شرحا تفصيليا لكيفية حدوث الإبصار بواسطة العين بعد أن وصف تركيبها من الناحية التشريحية وبين وظيفة أعضائها.


أغلاط البصر : وقد ثبت علميا أن أكثر المشاكل الشائعة التي يتعرض لها الإبصار تحدث من جراء بلورات أو أجسام أخرى معتمة في رطوبة العين وتعتبر هذه البلورات أو الأجسام عادة مجرد مضايقة عابرة، أما الأمراض الأكثر خطورة فهي السد أو إعتام عدسة العين الذي يصيب العدستين نتيجة لإصابة ميكانيكية أو تقدم العمر أو قصور في النظام الغذائي. ويسبب إعتام القرنية رؤية غير واضحة ولكن يمكن علاج هذه الحالة بنقل مقطع من قرنية سليمة من شخص آخر.

وينتج العمى النهاري من جراء إعتام نسيج أو أكثر من أنسجة العين. بينما ينتج العمى الليلي من قصور في شبكية العين بسبب نقص الفيتامينات. أما عمى الألوان فيرجع إلى عيب وراثي في الشبكية أو أجزاء أخرى من عصب القناة البصرية. وبالنسبة لضعف الإبصار فيحدث بدون إصابة هيكلية واضحة تصيب العين وقد ينتج من التسمم بسبب تناول المخدرات أو الكحول أو التبغ وقد يرتبط بالهيستيريا أو بولينا في الدم.

وقد يؤدي غياب التماثل في شكل مقلة العين أو عجز عضلات العين عن تغيير شكل العدسات بحيث تركز الصورة على الشبكية بطريقة صحيحة إلى قصر النظر أو طول النظر. ويمكن علاج قصر النظر باستخدام عدسات ثنائية مقعرة، أما طول النظر فيتطلب عدسات محدبة. وهناك ما يسمى ببصر الشيخوخة وهو يشبه طول النظر وينتج من جراء فقدان أنسجة العين لمرونتها مع تقدم العمر ويبدأ هذا المرض عادة بعد الخمسين، ويتم علاج كل هذه الحالات علاجا صحيحا باستخدام العدسات المناسبة.

وتنتج اللابؤرية بسبب انحراف القرنية أو العدسات خارج محيط الإبصار المعتاد. وهناك حالة أخرى شائعة ألا وهي اختلاف حجم الصور التي تنتج في كلتا العينين. كما قد تؤدي عيوب أو ضعف أو عجز العضلات الخارجية لمقلة العين إلى عيوب في الإبصار مثل ازدواج الرؤية أو الحول. وفي بداية بعض الحالات، يمكن علاج الحول باستخدام العدسات، أما في المراحل المتقدمة يكون التدخل الجراحي غالبا أمرا ضروريا.

وقد يؤدي الضغط على العصب البصري إلى العمى في النصفين الأيمن أو الأيسر لكلتا العينين أو في النصفين الداخلي والخارجي لهما. كما يؤدي انفصال شبكية العين عن الجزء الداخلي من مقلة العين إلى العمى حيث تنجرف الشبكية إلى قاع العين خارج إطار الصورة التي تشكلها العدسات، وحينئذ يصبح التدخل الجراحي أمرا مطلوبا لعلاج العين علاجا دائما.

عودة لصفحة العيون

//-->