وظائف الصحافة

يصعب تحديد الخدمة أو مجموع الخدمات التي تقدمها الصحيفة إلى الجمهور، ويزيد من صعوبة تحديدها، تنوعها وتنوع قرائها وتشابك محتواها.

وقد تجاوزت الصحافة، كغيرها من وسائل الإعلام الجماهيرية، في أيامنا هذه ـ بما أتيح لها، من إمكانيات تقنية متطورة وبما اكتسبته، من أهمية في حياة الناس ـ ما تعارف عليه باحثو الاتصال من وظائف تقليدية لتلك الوسائل ـ فقد حدد "لا سويل"، في أواخر الأربعينات، من القرن العشرين ثلاث وظائف للإعلام هي: مراقبة البيئة المحيطة، والعمل على ترابط أجزاء المجتمع ووحدته في مواجهة البيئة، والاهتمام بنقل التراث الثقافي عبر الأجيال المختلفة.

توالت على تلك الوظائف، الإضافات اللاحقة، التي أسهم بها باحثون آخرون، مثل رايت، الذي أضاف وظيفة التسلية، أو الترفيه، ومثل ديفيتو، الذي أورد وظائف أخرى، كالدعم والمساندة والتعليم؛ ومثل شرام، الذي رأى أن الوسيلة الإعلامية، يمكن اعتبارها مروجاً للسلع والخدمات التجارية بيننا كأفراد، مشيراً بذلك، إلى الوظيفة الإعلانية.

ويؤكد هذا التطور المتواصل، لوظائف الإعلام، في المجتمعات الحديثة، أن الوسيلة الإعلامية غدت اليوم "مؤسسة اجتماعية تمارس دوراً كاملاً، في حياة أفراد المجتمع مثل بقية المؤسسات الاجتماعية الأخرى" إذ تؤدي وظائف تربوية وتعليمية من شأنها أن تقلل من حدة الفوارق الثقافية، بين فئات المجتمع المختلفة، وأن تحدث تجانساً فكرياً، من خلال ما تقدمه من مواد إخبارية، وغير إخبارية.

يرى البعض أن من الوظائف الحيوية للصحافة أن تحارب الجمود الفكري، الذي هو إحدى سمات النظم غير الديموقراطية، التي تفرض سلطانها وأسلوب تفكيرها، على أفرادها. بحجة توحيد الصفوف، الأمر الذي يتنافى مع طبيعة تطور المجتمعات.

فمن واجب الصحافة أن تحدث وئاماً، أو تقارباً فكرياً اجتماعياً، من خلال ما تقدمه من ثقافة، ومعلومات، وأخبار على جميع المستويات الاجتماعيـة، حتى لا تتصف بالتحيز لفئة على حساب الأخرى، وحتى يمكنها الالتزام بالموضوعية.

الصحافة ووظيفة الاستطلاع، أو مراقبة البيئة

هي أهم وظائف وسائل الإعلام، والصحافة، بما تملكه من شبكات واسعة، في جميع أنحاء العالم، من مراسلي الصحف والتليفزيون والإذاعة.

ويقسم البعض وظيفة الاستطلاع، أو مراقبة البيئة، إلى نوعين رئيسيين، هما:

الأول: الاستطلاع التحذيري، ويتمثل في اضطلاع وسائل الإعلام بالإبلاغ عن المخاطر المقبلة، مثل الهجوم العسكري، والكساد الاقتصادي، وزيادة التضخم.

والثاني: هو الاستطلاع الأدائي أو الخدمي، أي نقل المعلومات، التي يستفيد منها الأفراد في حياتهم اليومية.

وجدير بالذكر أن سرعة نقل المعلومة، قد صاحبها بعض السلبيات مثل: عدم الدقة أو تشويه الحدث، أو محاولة توجيه الرأي العام وجهة ما.

الوظيفة الإخبارية للصحافة

ينتج عن عملية الاستطلاع، ومراقبة البيئة، التي تقوم بها وسائل الإعلام، وعلى رأسها الصحافة، تحقيق الوظيفة الإخبارية، التي تختص بإمداد القراء بالأخبار، التي يشترط أن تكون إخبارية صرفة، لا يجوز التحريف فيها أو التغيير، وذلك يستلزم احترام قدسية الخبر. أمَّا في حالة التعليق على الأخبار، فيمكن للصحيفة معالجتها بطرق مختلفة، تتفق مع الفئات المختلفة لجمهور الصحيفة، ومهمة التعليق الأولى، هي توضيح نقاط الخبر الغامضة.

وتشترط الوظيفة الإخبارية توافر ثلاثة عناصر:

1. التكامل

أي تتبع الخبر من نشأته حتى نهايته، والبحث عن العناصر المكملة له، سواء عن طريق المصادر الأصلية أو أقسام المعلومات.

2. الموضوعية

هي أهم مبادئ تحرير الخبر في المجتمعات الديموقراطية، إلاّ أن الموضوعية الكاملة حالة مثالية، لا يمكن تحقيقها، ومهما حاول الصحفي الوصول إليها، فسوف تظهر بعض العناصر والاتجاهات الفردية، وعلى الرغم من ذلك فإن الالتزام بالموضوعية هو الركن الأساسي لكل عمل صحفي. ولتحقيق هذا المبدأ، لا بد من البحث والتحقق من صحة الخبر وأركانه، وهنا لابد من التفرقة، بين عدم كفاية الموضوعية، لأسباب خارجة عن الإرادة، وبين التحريف المتعمد للخبر.

3. الوضوح

المقصود هو الوضوح في العرض، الذي يؤدي إلى فهم المحتوى، من جانب المختصين، وعامة الشعب على السواء. مع تجنب خطر التبسيط، الذي قد يؤدي إلى التحريف، ومن ثم عدم فهم المشكلة كما ينبغي، والحذر من المبالغة في التبسيط، لأن ذلك يؤدي إلى شعور بعض الفئات بالاستهانة بذكائهم.

وجد صالح أبو إصبع وتوفيق يعقوب، في دراستهما، حول قراءة الصحف، في دولة الإمارات العربية المتحدة التي أجريت في مارس 1984، على عينة عشوائية من قراء الصحف العربية، من مواطنين ووافدين عرب، تتكون من 119 مبحوثاً، بعد استبعاد استمارات الذين لا يقرأون الصحف، أن الصحيفة هي الوسيلة المفضلة لمتابعة الأخبار، لدى 59.5 % من أفراد العينة، يليها يفضله 32.5 %، فالراديو 8. % وأهم الصحف المحلية المفضلة هي: الخليج 48 %، الاتحاد 48 %، والبيان 15 %. ويطالع 77 % من المبحوثين صحيفتهم يومياً، و48 % يقرأونها، بعد العمل، ويحتفظ 60 % من المبحوثين بالصحيفة أو بجزء منها، بعد الانتهاء من قراءتها.

وتبين من دراسـة ميدانية، حول الصحافة اللبنانيـة، أن نسبـة قراء الصحف في لبنان هي 2 إلى 3. ويبلغ المتوسط العام لقراءة الصحف في بيروت 85% مقابل أدنى معدل، في المنطقة الجنوبية، حيث لا تتجاوز نسبة اللبنانيين، الذين يقرأون الصحف 61 %. ويقرأ الصحف العربية 80 %، منهم 14 % يقرأون الصحف الصادرة باللغة الفرنسية، في البقاع 3 %. ويطالع 41 % من اللبنانيين الصحف ـ حتى الصباحية منها ـ عند المساء. ويختار 30 % من اللبنانيين، جريدتهم على أسس موضوعية، و27 %، تحت تأثير التعود، و14.5 % لميول الجريدة السياسية. وتشكل الجريدة وسيلة أولى للإعلام، بالنسبة لنصف اللبنانيين، وتبلغ هذه النسبة أعلاها في بيروت 82 %، في صفوف الجامعيين. وتبين أن 65.5 % من اللبنانيين، يناقشون القضايا الأساسية الواردة في الجريدة. وتتبنى النسبة الباقية وجهة نظر الجريدة.

وتبين من دراسة ميدانية، أجراها اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري، على خمسة آلاف ممن بلغوا 16 سنة فأكثر، في جميع عواصم محافظات مصر عدا محافظة الوادي الجديد، أن أكثر من أربعة أخماس مجموعة الدارسين المتعلمين، (2.8 % من حجم العينة) يقرأون الصحف بانتظام، مقابل 12.1 %، يقرأونها أحياناً. ولا يختلف الذكور والإناث، في الإقبال على قراءة الصحف بانتظام. وأهم الأبواب والموضوعات، التي يهتمون بها هي: الحوادث (64.5 %)، والأخبار السياسية (62.4 %)، والرياضة (48.5 %) والكاريكاتير(37.5 %)، والقصص (19.1 %)، وما يتصل بمهنهم المبحوث (7.3 %). كما قرروا أن أهم مصادر الحصول على الأنباء، هي التليفزيون (72.7 %)، فالإذاعة (41.5 %) فالصحف (29.5 %) ومصادر أخرى (10.8 %). وجاءت الصحف، في المرتبة الأولى عند قادة الرأي (89 %) يليها التليفزيون 86 %، والإذاعة (81 %)، ومصادر أخرى (8 %).

ولكن قدرة الصحافة المطبوعة، على أن تكون المصدر الأول للمعلومات، بدأت في السنوات الأخيرة، تتراجع أمام قوة التليفزيون. ففي دراسة قريبة، على عينة من طلاب المدارس، حول الرسائل الإعلامية، التي تستخدم للتوعية المرورية، من خلال وسائل الإعلام في المملكة العربية السعودية كانت النتائج أن: 6و6 % من العينة قرأت الرسائل محل الدراسة في الصحف، و4.4 % من العينة سمعت الرسائل المذاعة بالراديو، بينما 63 % من العينة رأت الرسائل متلفزة.

وفي بحث أجري في لبنان حول الآثار النفسية والاجتماعية للتليفزيون على الشباب، تبين أن 75 % يشاهدون التلفزيون بانتظام، وأن 61 %، منهم يفضلونه على القراءة. وفي الكويت أجري بحث على 2056 شاباً، بهدف التعرف على اتجاهات الشباب نحو القراءة، مقارنة بمشاهدة التليفزيون، تبين أن التليفزيون صرف 62 % منهم عن القراءة، في حين لم تصرف الإذاعة إلاّ 24 % فقط.

الصحافة ومهمة الخدمات العامة

من بين الوظائف التي تقدمها الصحافة الآن، مهمة الخدمات العامة، أي تزويد القارئ بأخبار صحفية، وموضوعات تخدمه في حياته، ويحصل على فائدة مباشرة منها. ويدخل في نطاق مهمة الخدمات العامة إعلان مواعيد شركات الطيران الوطنية، وأخبار السينما والمسرح والنقد ومواعيد المحاضرات العامة، وأماكنها، والنشرة الجويـة، وإعلانات الوظائف، والإعلانات التجارية، وأخبار الأسواق، المحلية والعالمية، وأخبار أسواق الأوراق المالية، والمعاهدات التجارية، إلى غير ذلك. ومن ثم توفر على المواطن، كثيراً من العناء، في عملية البحث عن حاجياته اليومية، وتنقل له أخبارها داخل منزله.

وهناك تيار صحفي الآن، يطلق عليه تيار صحافة الخدمات، ينتشر في الصحافة في العالم، ويعالج الأحداث والأفكار، من وجهة نظر فائدة القارئ المباشرة.

الصحافة توثيق للأحداث ومصدر للتاريخ

نجم عن الوظيفة التقليدية للصحافة، وهي الإعلام أو الأخبار، وظيفة جديدة هي التوثيق؛ فسرعة تطور العلم الحديث تجعل المؤلفات الموسوعية، أو المواضيع التي تعالجها الكتب حقائق قديمة. ومن ثم تضطلع الصحافة المعاصرة، بمهمة تجديد المعلومات والمعارف وملاحقتها، بفضل دوريتها، التي تسمح لها بالقيام بهذا الدور، أفضل مما يقوم به الكتاب، الذي لا يعاد طبعه بسرعة دورية الصحيفة، فضلاً عن أن عدد قراء الكتاب، أقل بكثير من عدد قراء الصحيفة.

ومع ثورة المعلومات، لم يعد في قدرة الكتاب المطبوع، بشكله المعروف، أن يلبي حاجة المؤرخين، إلى رصد الوقائع التاريخية المتلاحقة، أو متابعتها، بينما نجحت الصحافة في ذلك؛ فالصحافة اليومية تقدم للمؤرخ، وقائع الحياة الاجتماعية، في حركتها اليومية، في حين تقوم المجلات الأسبوعية بتلخيص هذه الوقائع وتحليلها. والصحفي يعد مصدراً رئيسياً للمؤرخ، حين يتعلق الأمر بتسجيل وقائع الحياة اليومية، أو حين يتعلق الأمر، برصد الاتجاهات الفكرية للأحزاب والأفراد، أو بدراسة تاريخ الصحافة نفسها.

والصحافة كمصدر للتاريخ تقوم بوظيفتين:

أولهما: رصد الوقائع، وتسجيلها ووصفها، والاحتفاظ بها للأجيال المقبلة.

ثانيهما: قياس الرأي العام وآراء الجماعات والتيارات المختلفة، إزاء وقائع أو قضايا تاريخية معينة.

الصحافة ومهمة الشرح والتفسير والتحليل

لا تكتفي الصحافة بسرد الأحداث، وإنما تتولى تحليل هذه الأحداث وتفسيرهـا؛ فالكثير من الأحداث لا يمكن فهمها، من دون معرفة خلفية هذه الأحداث، وتطورها التاريخي. وتلجأ الصحافة إلى استخدام أشكال صحفية عديدة، لأداء مهمة تحليل وتفسير الأحداث والتعليق عليها، مثل:

  • التحليلات الإخبارية.

  • المقالات الافتتاحية.

  • أساليب التغطية التفسيرية.

  • التفسيرات والملخصات الأسبوعية للأحداث.

  • الرسوم الكاريكاتورية الساخرة.

  • الحملات الصحفية.

  • الأعمدة الصحفية.

  • مقالات التعليق.

  • رسائل القراء.

الصحافة وتكوين الرأي العام

الرأي العام هو الفكرة السائدة، بين جمهور من الناس، تربطهم مصلحة مشتركة إزاء موقف، من المواقف، أو مسألة من المسائل العامة، التي تثير اهتمامهم، أو تتعلق بمصالحهم المشتركة، وهذه الظاهرة تكتسب صفة الاستقرار وتختلف، في وضوحها ودلالاتها، في عقول الأفراد، ولكنها تصدر عن اتفاق، متبادل بين غالبيتهم، مع اختلافهم في مدى إدراكهم لمفهومها، ومبلغ تحقيقها لنفعهم العام، ومصلحتهم المشتركة. ويُقصد بالرأي العام في هذا المجال، الرأي الغالب. أمَّا الرأي العام المتصل اتصالاً وثيقاً بالميراث الثقافي؛ فيطلق عليه الاتجاه العام، وهو مجموعة العادات والتقاليد، التي تمثل اتجاها ثابتاً يتصف بالدوام، بعكس الرأي، العام الذي يتصف بالحركة والتغيير.

وهناك عوامل مختلفة تتفاعل وتؤدي في النهاية، إلى تكوين الرأي العام، هي:

1.    الثقافة أو التراث الثقافي.

2.    عملية التنشئة الاجتماعية.

3.    القـادة.

4.    الحوادث.

5.    الأحزاب.

6.    وسائل الإعلام والاتصال.

7.    الشائعات.

8.    الجماعـات.

9.    أنماط الجماعات، أو الصور النمطية عن الجماعات.

10.          الشعارات.

11.          المصالح المباشرة للجماهير.

ويصف البعض الصحافة بأنها تحتل المقام الأول، من بين وسائل الإعلام كلها، في التأثير علي الرأي العام، لعدة أسباب، من أهمها: أن الصحافة تهتم، أكثر من سواها، من وسائل الإعلام، بالخوض في القضايا السياسية والاجتماعية ومناقشتها بإسهاب، وعرض وجهات النظر المختلفة، وخلفيات الأنباء ومن أجل ذلك؛ فإن النظم الديموقراطية في العالم، تحرص على إعطاء الصحافة أكبر قدر من الحرية، لتكون المرآة الصافية، التي تعكس آمال الشعب وآلامه، وأحلامه وتطلعاته، ورضاه أو سخطه، ولتقوم، كذلك، بدورها ورسالتها الهامة، في توعيته وتنويره، في صدق وشرف والتزام، مما جعلها، خلال هذا القرن، الذي يوشك على الانتهاء، من أقوى وسائل الإعلام وأكثرها قدرة على تكوين الرأي العام ووجدان الجماهير.

يقسِّم مختار التهامي محتويات الصحيفة، بالنسبة لمدى تأثيرها على الرأي العام، إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول

له علاقة مباشرة بتوجيه الرأي العام، كالافتتاحية والكاريكاتير والأعمدة وبريد القراء، والمقالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنقد الأدبي والفني والإعلانات. ويتسم هذا القسم بالتحيز المتعمد، الذي يرمي للتأثير في الرأي العام.

القسم الثاني

له علاقة، غير مباشرة، بتوجيه الرأي العام؛ فعلى الرغم من أن الطرائف والقصص القصيرة والهزليات والمواد المثيرة، بصفة عامة، التي تدور حول الخرافة والجنس والجريمة، قد لا تؤثر، بصفة أساسية، في الرأي العام، إلاّ أنها تؤثر، بلا شك، في القيم الخلقية والثقافية للجمهور، وخاصة الشباب، وصغار السن، مما لابد أن ينعكس أثره على أحكام الرأي، واتجاهاته إن عاجلاً أو آجلاً.

القسم الثالث

ليس له علاقة بتوجيه الرأي العام، مثل صفحة الوفيات، والنشرة الجوية، وبرامج الإذاعة والتليفزيون والسينما، فمثل هذه المواد وأمثالها لا تثير النقاش، عادة، على نطاق عام، وليست موجهة، في الظروف العادية، إلى تكوين رأي عام، حول مسألة معينة.

وإن كانت هناك أحياناً، استثناءات تفرضها أوضاع بعينها. ومن هذا القبيل، الحملات الدعائية المغرضة، التي قد تقوم بها بعض الجهات، والتي تستغل، عادة، كل أبواب الصحيفة لتحقيق أغراضها سواء، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.

وحتى يكون للصحيفة هذا الأثر، في تكوين الرأي العام، وكسب ثقة القارئ واحترامه، ينبغي أن تحرص في سياساتها، بالنسبة للخبر، على المبادئ التالية:

1.    أن يكون الخبر الذي تنشره صحيحاً، فالخبر هو عصب الصحيفة، وهو الذي يخلق الرأي العام، فلا يجب على الصحيفة أن تعمد إلى تحريف الخبر أو المبالغة فيه، أو تزييفه، لأن ذلك يمثل خطراً بالغاً على الصحيفة نفسها، من جهة، ثم على القارئ، الذي يتوقع من الصحيفة الصدق في أخبارها، والدقة والأمانة، من جهة أخرى. فمن بديهيات العمل الصحفي أن "الخبر ليس ملكاً للصحيفة، وليس ملكاً للرأي العام، ولكنه ملك للحقيقة وحدها"، وإن الصحيفة ملزمة بحكم شرف المهنة أن تلتزم الصدق والنزاهة.

2.    من حق الصحيفة بعد أن تنشر الخبر، بكل الأمانة والصدق، أن تعلق عليه، بما تراه متمشياً مع سياستها، وبما يسمح للقارئ، بعد قراءة الخبر وتدبره، أن يكون له رأي فيه.

3.    تتابع الصحيفة الخبر، بعد نشره، وتعلق عليه، ليتكامل الخبر في ذهن القارئ.

قسَّم علماء الرأي العام، في العالم، الصحافة، من ناحية تكوينها للرأي العام، والتأثير عليه، إلى صحافة رأي، وصحافة خبر. وهذا التقسيم لا يعني وجود صحافة تقتصر على نشر الأخبار، وأخرى تقتصر على نشر مقالات الرأي والتوجيه، وإنما المقصود تغليب بعض الصحف لهذا الاتجاه أو ذاك؛ فهناك صحف تعني بالرأي، والتوجيه والتعليق على الأخبار، وإيضاح مغزاها السياسي والاجتماعي، واستخدامها في الدعوة لمذهب سياسي واجتماعي معين، وتأييد الحكومة القائمة أو معارضتها، والكفاح في سبيل قضايا معينة، قومية كانت، أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية.

وصحافة الرأي هي التي تدين بمذهب من المذاهب السياسية، أو الاجتماعية، أو نظرية من نظريات الاقتصاد. ولا تحفل هذه الصحافة كثيراً بالخبر؛ لأن الخبر ليس هدفاً من أهدافها. وإذا نشرت بعض الأخبار، فإنها تنتقي منها ما يتفق مع المذهب، الذي تعتنقه وتخدمه. وهذا النوع من الصحافة، أقل انتشاراً؛ لأن قراء صحف الرأي قليلون، في أي بلد من البلاد؛ ولأن إيقاع العصر السريع لم يعد يمنح القارئ الوقت الكافي للقراءة الطويلة المتمهلـة، ومع ذلك، فإن صحافة الرأي هي الموجهة الحقيقية للرأي العام.

أما صحافة الخبر فإنها تعطي كل اهتمامها للأخبار، وتستقطب أعداداً غفيرة من القراء، ومن ثم، فهي أكثر توزيعاً، وأوسع انتشاراً من صحافة الرأي، ومن الحقائق المسلم بها أن صحافة الخبر، حين تلتزم الصدق، والموضوعية والأمانة فيما تنشره من أخبار، فإنها تلعب حينئذ دوراً، بالغ الأهمية، في تكوين الرأي العام، وتشكيل اتجاهاته. والعكس صحيح؛ فإن هناك في الحقل الصحفي، ما يسمى بالصحافة الصفراء، وهي التي تعمد إلى تزييف الخبر، والتركيز على المثير فيه، وما يتصل بالجنس، والجريمة والفضائح الاجتماعية بصفة خاصة، ويلقي هذا النوع من الصحافة، إقبالاً كبيراً من القراء، في معظم أنحاء العالم، ولكن المجتمع العالمي ينظر إليه، كنوع من السموم، أو المخدرات المدمرة لعقول الناس وأخلاقياتهم، والمخربة للمجتمعات، وطاقات الشباب، بصفة خاصة.

وحتى تكون الصحافة وسيلة بناءة، لتكوين الرأي العام، وأداة حقيقية، للتوعية والتنوير، لابد أن تستمتع بأكبر قدر من الحرية؛ فالصحافة المقيدة عقيمة، وعديمة القيمة، ولا تأثير لها، على المجتمع. والكاتب، الذي تقيده المحظورات والمحاذير، لا يستطيع أن يسطر كلمة نافعة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

يشير عدنان أبو فخر إلى بعض الطرق، التي يمكن استخدامها، للتأثير في الرأي العام، عن طريق الصحافة:

1.    طريقة ضبط الأخبار والمعارف، حسب حاجة القراء، ومعاناتهم، واهتماماتهم، ومقاصدهم.

2.    طريقة الإثبات والتأسيس المنطقي، حيث تقدم الصحافة لقرائها، النصوص المثبتة، والمبرهنة من خلال تصوير الظواهر الموضوعية الجادة، في الحياة الاجتماعية بصورة صحيحة، ويدخل في طريقة الإثبات، استخدام الوثائق والأرقام والإحصائيات والأمثلة الحية، بشكل مقنع.

3.    طريقة الإقناع، التي بواسطتها تؤثر الصحافة على عقل وعاطفة القارئ، ومن ثم تؤثر على سلوكه ونشاطه، من خلال تنشيط ذهنه، مما يزيد استيعابه لأفكار وآراء الصحافة، وتقتضي هذه الطريقة تطوير مقدرات وإمكانيات الصحفيين، على إقناع القراء والتأثير على الوعي الاجتماعي، وتكوين الرأي العام.

4.    طريقة الإيحاء، ومن خلالها تدخل الصحافة، إلى ساحة اللا شعور لدى القارئ، وتؤثر فيه، فتجعله يثق، ويؤمن بالقضايا والأفكار والمواقف، التي تريدها الصحافة، بصورة كبيرة ومدهشة.

ومن بين خصائص طريقة الإيحاء هذه، التكرار، وفيه، تكمن قوة الإيحاء، في دفع الإنسان للقيام بأي سلوك وعمل تريده الصحافة. ولكنه يجب أن يتم بصور، وأساليب مختلفة، وإمَّا أن يستخدم لأغراض إيجابية، لصالح جماهير الشعب، أو أن يستخدم لتضليل الشعب، ومن ثم، تصبح طريقة الإيحاء طريقة تلقين وحقن إعلاميين، وهي طريقة تستخدمها الدعاية الصهيونية اليوم.

 

//-->