حرية الصحافة وعلاقة الصحافة بالسلطة

تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عام 1948، الحقوق السياسية التالية:

           الحق في حرية الرأي والتعبير                              المادة (19)

           الحق في الإعلام                                               المادة (19)

           الحق في حرية التجمع وتأليف الجمعيات                  المادة (21)

           الحق في المشاركة في الحكم والوظائف العامة          المادة (21)

وقد أكدت الاتفاقية الدولية، المتعلقة بحقوق الإنسان، المدنية والسياسية، التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1996، على هذه الحقوق، في مادتها التاسعة، حيث تضمنت التالي:

1.    لكل فرد الحق في حرية الرأي.

2.    لكل فرد الحق في حرية التعبير، وهذا الحق يشمل: حرية البحث عن المعلومات، أو الأفكار، من أي نوع، وتلقيها، بغض النظر عن الحدود، إما شفاهة، أو كتابة أو طباعة، وسواء كان ذلك، في قالب فني، أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3.    ترتبط ممارسة الحقوق المنصوص عليها، في الفقرة الثانية، من هذه المادة، بواجبات ومسؤوليات خاصة، فإنها تخضع لقيود معينة، ولكن ـ فقط ـ بالإستناد إلى نصوص القانون، وشرط أن تكون ضرورية.

أ. من أجل احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.

ب. ومن أجل حماية الأمن الوطني، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الأخلاق.

وقد نصت دساتير كافة الدول، في العالم، على حرية الرأي والنشر (حرية الصحافة).

وحرية الصحافة كأحد أشكال حرية التعبير ـ هي إحدى صور حرية الرأي، وهذه بدورها واحدة من الحريات العامة كحرية الاجتماع، حرية تكوين الجمعيات،..إلخ، وهي تتعلق بهذا الجزء، من سلوك الفرد، الذي يتصل بالآخرين.

وحرية التعبير، وحرية الصحافة، من الناحية الفلسفية، هما: النتيجة الطبيعية لحرية الاعتقاد، فللإنسان أن يفكر بحرية، كما يجب ألاّ يحال بينه، وبين نمو كيانه المعنوي، وازدهار إنسانيته، فحرية الاعتقاد، في الأساس، هي أولى الحريات لأنها تحدد جميع الحريات الأخرى.

يتناول ويلبور شرام الحديث عن حرية الصحافة من ثلاث زوايا، وهي:

حرية المعرفة: وهي الحق في الحصول على المعلومات اللازمة حتى نستطيع تنظيم حياتنا والحصول على قدر من المشاركة في الحكم، وهو حق اجتماعي لعامة الجماهير.

حرية القول: وهي الحق في نقل المعلومات، بحرية، وتكوين رأي، في أي موضوع، والمناقشة حوله. وهو ما يقصد به "حرية الصحافة" وهو بدوره حق المجتمع، تؤديه عنه وسائل الاتصال.

ثم حرية البحث: وهي الحق في اتصال وسائل الاتصال، بمصادر المعلومات، التي يجب معرفتها، ونشرها. وهو حق للمجتمع كذلك، تؤديه عنه وسائل الاتصال.

إضافة إلى ذلك، فإن المسؤولية الأساسية المستمرة للصحافة، هي الدفاع عن هذه الحريات الثلاث، ليس ضد تدخل الحكومة فحسب، بل كذلك ضد أي تدخل، سواء من أي جماعة، داخل الدولة أو من خارجها، أو من القوى المؤثرة، في داخل وسائل الاتصال نفسها.

ويحدد عماد النجار عناصر حرية الصحافة، من الناحية الدستورية، والقانونيـة، في الجوانب الثلاثة التاليـة:

أولاً: عدم خضوع المطبوعات لرقابة سابقة، على طبعها، من جانب السلطة، لأن هذه الرقابة السابقة تنازل عن الحرية، وهو أمر غير مقبول في جميع الأحوال، حتى في الظروف الاستثنائية في حالات الحرب والطوارئ، إلاّ في أضيق الحدود.

ثانياً: تحديد المجال، الذي يخول للمشرع تقييد حرية الصحافة فيه، بمعنى ألاّ يكون، في وسع المشرع، وضع تشريعات تجرم شيئاً ينفع المجتمع.

ثالثاً: حق الفرد، أو الجماعة، في إصدار الصحف، من دون اعتراض، من السلطة.

وإذا ما تقررت حرية الصحافة في نصوص الدستور أو القانون، فإن ذلك لا يعني، بالضرورة، توافر حرية الصحافة، وإنما يتعين توافر ضمانات تدعم هذا الحق، وهي:

أولاً: مبدأ الفصل بين السلطات.

ثانياً: الرقابة القضائيـة.

ثالثاً: وجود نظام نيابي، قائم على الأحزاب، مستند إلى رأي عام قوي.

رابعاً: تمتع رجال الحكم بقدر كبير، من الحكمة، والنزاهة والخبرة والكفاءة والغيرة، على مصالح الوطن.

ولا تكتمل النظرة القانونية إلى حرية الصحافة إلاّ بوجود مثلث ذهبي له أضلاع ثلاثة.

الضلع الأول

يتصل بالملكية والمالك، فلابد من إقرار حق إصدار الصحيفة، بغير توقف على ترخيص سابق، وتضييق معنى الإخطار إلى مجرد الإعلام، بظهور الصحيفة. وألاّ يشترط، في الإصدار، إلاّ الشروط القانونية، في المواطن كامل الأهلية، من دون تقييد ذلك بقيود مالية، أو بمعنى آخر إطلاق حرية إصدار الصحف، مع تنوع أشكال ملكية الصحف.

الضلع الثاني

العنصر الإنتاجي، أو العنصر البشري، أي الصحفيين. ولا تتوافر حرية الصحافة، من دون النص، صراحة، في الدستور على كفالة حق التعبير، وحرية الرأي، من دون رقابة سابقة؛ وتحريم التعطيل الإداري للصحف، والأخذ بنظام المحاسبة اللائقة للصحفيين على أن تكون محاسبة قضائية، مكفولة بشروط قانونية عادلة. ويقتضي ذلك حماية التنظيم النقابي، المنتخب انتخاباً حراً، وديمقراطياً، والحفاظ على استقلالية التنظيم النقابي، وكفالة هذا الحق الديموقراطي، في الإنشاء، والنشاط.

الضلع الثالث

إقرار حق القارئ، في استقاء الأنباء الموضوعية، والمحايدة، أي في أن يعلم ويتصـل. وهذا هو الحق الجديد من حقوق الإنسان. من دون تمييز بسبب الدين أو اللغة أو العنصر أو الجنس أو الرأي أو الموقف السياسي أو الفكري. وبذلك تتحقق المشاركة الايجابية، وإلاّ ظلت المعلومات تتدفق، من أعلى إلى أسفل، من السلطة إلى المحكومين، أو من الدولة الأقوى، إلى الدولة الأضعف، أو من الشعوب الصناعية الغنية إلى لشعوب النامية الفقيرة، وقد أكدت اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال، لجنة ماكبرايد، في تقريرها النهائي، على حرية الصحافة في إطار مفهوم الحق في الاتصال.

وفي إطار ما سبق، يرى الباحث اللبناني، حازم عبدالحميد النعيمي، أن حرية الصحافة تعني: "حق الأفراد والجماعات، في إصدار الصحف، والعمل بها، والتعبير عن آرائهم ونشرها فيه، ومعرفة ونقل ونشر الأخبار والمعلومات بموضوعية، وتنوير المواطنين وتثقيفهم بواسطتها، والرقابة على الهيئات العامة والخاصة ومناقشة سياساتها ونقدها، من خلالها، وذلك، ضمن تعددية صحافية تمثل، مختلف الاتجاهات السائدة، في المجتمع، ويتم ذلك، خارج جميع الضغوط، والمؤثرات، من الأفراد والجماعات الحكومية والإدارية والسياسية، والاقتصادية والمالية والاجتماعية والمهنية، الواقعة، على الصحيفة أو الصحافي، والهادفة إلى صرف الصحافة، عن أداء مهامها. وكل هذا ضمن الالتزام بالمسؤولية، تجاه الموضوعية والصدق، والمصلحة العليا الحقيقية للمجتمع والإنسانية، وتجاه خصوصيات الأفراد وكرامتهم، والمتضمنة في قوانين عادلة غير متعسفة، ومشروعة ديمقراطياً، وفي مواثيق شرف المهنة، والتزام المجتمع، وأجهزته الإدارية، بتقديم المساعدة للصحف لتحصينها، وضمان استمرارها، في أداء رسالتها".

الصحافة والسلطة عبر العصور

تفاوتت العلاقة، بين الصحافة والسلطة، أو الحكومة، منذ بداية ظهور الصحافة، بين شد وجذب، وظهرت رؤى ونظريات، ترصد واقع هذه العلاقة، وتحدد، على أساسه العلاقة بين الصحافة والسلطة. أو بلغة أكثر تحديداً، دور الصحافة في المجتمع، ومقدار ممارستها لحريتها.

يحدد محمد حلمي مراد ثلاثة أمور، يتوقف عليها، حسن العلاقة بين، السلطة والصحافة، وهي:

الأمر الأول

تفهم السلطة لرسالة الصحافة، وحقيقة دورها، والمواصفات الواجب أن تتوافر فيها حتى تحقق النجاح، في أداء مهمتها، وهو ما يقتضي من جانب السلطة احترام حرية الصحافة، وتيسير مهمتها، ومعاونتها في تحقيق رسالتها، بوصفها قائمة بخدمة شعبية عامة، تُمارس على أساس من المساواة، وتكافؤ الفرص بين الجميع.

الأمر الثاني

وضع الضمانات الكفيلة بعدم المساس بالحريات الصحفية، لغلق الأبواب، في وجه كل من تسول له نفسه العدوان عليها، ولغرس الأمان والاطمئنان، في نفوس الصحفيين، مما يجعلهم أكثر قدرة على القيام بأعمالهم.

الأمر الثالث

الاحتكام إلى جهة مستقلة، عند نشوب خلاف، بين الصحافة والدولة، حتى لا تكون الدولة بذاتها، أو من يمثلها، من أجهزة حكومية أو غير حكومية خصماً وحكماً، في الوقت نفسه وخير من يقوم بهذه المهمة، هو القضاء العادي المستقل.

أمّا الصفات، التي يجب أن تتصف بها الصحافة، في أدائها لدورها السياسي، في رأي محمد حلمي مراد، فهي:

1.    أن تكون الصحافة شعبية، غير تابعة للسلطة، فيما تكون معبرة، عن آراء الشعب، وتقوم بدور الرقابة الشعبية.

2.    أن تكون صحافة حرة، بمعنى أن تمارس رسالتها، من دون ضغط أو تأثير، من جانب السلطة، حتى يثق فيها الشعب، ويعدها مرآة حقيقية لإرادته.

3.    أن تكون صحافة مسؤولة، أي تستشعر، وتراعي المصلحة العامة، عند اضطلاعها بعملها، فلا تنحى إلى الإثارة، ولا تستهدف الاتجار، ولا تنحرف عن الصالح العام.

بينما يرى جمال العطيفي أن الصحافة هي عين النظام السياسي، في الكشف عن مواطن الضعف أو الزلل، وهي تقف، إلى جانب النظام، وتذود عنه، وتنتقد أي تصرف خاطئ، لا يتفق مع أهداف النظام وخطته.

ويعتقد محمد العربي المساري، نقيب الصحفيين في المغرب، في نهاية السبعينيات، أن الإطار، الذي ينظم الممارسة الإعلامية والممارسة السياسية عموماً، يحكمه في واقع الأمر، عاملان: الأول هو نظرية الحكم السائدة، والثاني: هو الشعور القوي، لدى النخبة السياسية، بالانتماء للدولـة.

وترى عواطف عبدالرحمن أنه ليس هناك أيديولوجية للدولة، وأخرى لوسائل الإعلام، بل هناك أيديولوجية واحدة، تحدد الخط السياسي، والاقتصادي والاجتماعي للدولة، كما تحدد موقف الدولة من الإعلام، وأدواره ووظائفه، التي تتكامل مع سائر مؤسسات الدولة، مستهدفة تحقيق التوازن، الذي يؤدي إلى دعم، وحماية قيم، ومصالح الطبقة أو مجموع الطبقات أو القوى الاجتماعية، التي تسيطر على وسائل الإنتاج الأساسية، في المجتمع وتتحكم بالتالي، في أدوات التعبير السياسي والنظام التعليمي والثقافي.

وقد انتهى الباحث، ديفيد ساكسمان، في دراسته، التي تناولت العلاقة بين الحكومة والصحافة، إلى أن العلاقة، بين الصحافة والحكومة، تأخذ أحد شكلين: الشكل العدائي، أو الشكل التعاوني. ويقول إن العلاقة العدائية، بين الصحافة والحكومة، توجد فقط، في الدول، التي تنتهج الفلسفة الليبرالية، التي تقوم على أساس حرية الرأي والصحافة، وحق القراء في معرفة شؤون البلاد والعالم، في مختلف مجالات الحياة، حتى يتمكن الفرد من الإدلاء برأيه، تجاه الأحداث والقضايا، التي يمر بها المجتمع، ويشارك إيجابياً، في الحياة السياسية، ولن يتمكن من الحصول على حق المعرفة هذا، إلاّ من خلال منح وسائل الإعلام الحرية الكاملة، في الوصول إلى المعلومات، وعرضها بحرية كاملة، ليس هذا فقط، بل تقوم الفلسفة الليبرالية على حق وسائل، الاتصال في تقييم أنشطة الحكومات وانتقادها. وقد خلق هذا الوضع علاقة صراع، وعلاقة عداء، بين الحكومة ووسائل الإعلام، ونشأ الخلاف، بين الجانبين، في العديد من القضايا والأمور.

وفي مواقف الاختلاف بين وسائل الإعلام، والحكومة، في الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية تكون لوسائل الإعلام الكلمة المؤثرة، في إنهاء الموقف؛ فالحكومة لا تستطيع أن تصل، إلى الجماهير، إلاّ من خلال هذه الوسائل. ولهذه الوسائل قوة كبيرة، في التأثير على الرأي العام، كما أن ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، تفوق، عادة، ثقته بالحكومات.

وفي مقابل ذلك، فإن الحكومة تستطيع أن تفرض سرية كاملة، على اجتماعات مهمة، وأن تحرف المعلومات لصالحها، وأن تقرب منها إعلاميين بعينهم، وتقدم لهم المكافآت المادية وغير المادية، وتستخدم دافع الحفاظ على الأمن القومي لحجب المعلومات، عن الصحافة، كما تستطيع أن تكون لها وسائلها الخاصة، التي تمكنها، من عرض سياستها، على الجماهير، والحصول على تأييدها، خاصة وأن ذلك يتفق مع مفهوم التعددية.

وبناء على ذلك، فإن إظهار عداء الصحافة للحكومة، لا بد أنه سوف يجعلها تخسر مصادر رسمية للأخبار، ويفقدها معلومات كثيرة تعوق القيام بنشاطها، على الوجه الأكمل، في مراقبة الحكومة. وفي ظل علاقات الصراع والعداء هذه، تظهر الحاجة الماسة لنظام إعلامي، يقوم على أساس المسؤولية الاجتماعية، لوسائل الإعلام، والتي تقوم على أساس أن لهذه الوسائل حق الوصول إلى المعلومات، ونشرها، وحق انتقاد سلبيات ممارسات الحكومة، وعليها واجب إظهار الإيجابيات، في ممارسات الحكومة، وأن تلتزم المثل العليا لآداب المهنة، تحقيقاً للصالح العام.

والشكل الثاني، الذي حدده ساكسمان، لطبيعة العلاقة، بين الصحافة والحكومة، هو الشكل التعاوني، ويرى أن هذه العلاقة توجد، في الدول النامية، وكافة الدول، التي ترتبط فيها وسائل الإعلام بالحكومة. التي ترى أن دور الصحافة يتمثل، في تقديم دعم كامل لكل ما تعرضه الحكومة، وأن صحافة غير مدربة، وشعباً أمياً، غير متعلم في معظمه، لا يمكن أن يكون أدوات لبناء أمة مستقرة، كما أن وسائل الإعلام الغربية، التي يباهي البعض بحريتها، ما هي إلاّ وسائل لترويج المادية، والنزعة الاستهلاكيـة. ومن ثم تصبح وسائل الإعلام جزءاً لا يتجزأ، من النظام السياسي، تؤمن بما يقوله النظام، وتصفق لما يتخذه من إجراءات، وتضخ أبواق دعاية لكل ما يحمله النظام، من أفكار، ويختص دورها البناء، في المبادرة والتقييم، مما قد يهدد المجتمع بأسره، مستقبلاً.

الصحافة سلطة رابعة

لم يقف السعي، لتحقيق التنمية الديموقراطية، عند حدود تنظيم الثلاث سلطات التقليدية: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، بل أصبح يبحث عن سلطات جديدة، تتمثل في قوة وسائل الاتصال الجماهيري، من صحافة وإذاعة وغيرها، وفي هيئة الناخبين، ومدى تأثرهم بها، وتأثيرهم في السلطات التقليدية، وذلك؛ لأن الرأي العام اتجاه فكري يؤثر، ويتأثر بالظروف الطبيعية والبيئية والشخصية، وبالحالة الاقتصادية، والسياسية والثقافية، وبآراء الماضي وأحداث الحاضر وآمال المستقبل، كنتيجة حتمية للعلاقات، بين الناس، التي تقوم فيها وسائل الإعلام بدور فاعل في الاتصال بالجمهور المحلي الصغير، وبالجمهور العالمي الكبير، بغير حدود.

ومن ثَمَّ، ظهرت أهمية وسائل الاتصال بالجماهير، وبخاصة الصحافة، بحكم تأثيرها، في الرأي العام، حتى أصبح يُطلق على الصحافة اسم "صاحبة الجلالة"، السُلطة الرابعة، كسلطة مضافة إلى السلطات الثلاث السابق ذكرها.

وهناك رأي يقال، إن أول من أطلق صفة السلطة الرابعة، على الصحافة، هو الإنجليزي أدمونديورك (المتوفى عام 1797)، عندما اتجه، إلى مقاعد الصحفيين، في مجلس العموم البريطاني، وهو يقول أنتم السلطة الرابعة، أو قال: توجد سلطات، ولكن عندما ينظر الإنسان، إلى مقاعد الصحفيين، يجد السلطة الرابعة، بما لها من أهمية اقتصادية، واجتماعية، وسياسية جعلتها جزءاً من الحياة الديموقراطية.

وثمة رأي آخر، أن تسمية الصحافة، بالسلطة الرابعة، ترجع إلى المؤرخ توماس ماكولاي، المتوفى عام 1859، إذ قال إن المقصورة، التي يجلس فيها الصحفيون، أصبحت السلطة الرابعة، في المملكة.

وقد تضاربت الآراء، وخاصة بين رجال القانون،حول مفهوم السلطة الرابعة، ومدلولها، حيث يقول أحد الأساتذة: "إذا كانت قد ارتفعت بعض الأصوات، في الماضي، بأن الصحافة صاحبة جلالة، وفي الحاضر، أن الصحافة سلطة رابعة، فإن هذه الأصوات تعبر، في الحقيقة، عن معنى سياسي، أكثر منه معنى دستوري، وقانوني، إذ يوضح هؤلاء، الذين يتحدثون، عن الصحافة، كسلطة رابعة، عن رغبة ملحة تغمر نفوس الملايين من المواطنين. وتتمثل في منح الصحافة استقلالاً تاماً بعيداً عن السلطة التنفيذيـة، وليس المقصود أن نجعل منها جهازاً له تنظيماته، يستطيع أن يصدر قرارات نافذة، إنما المقصود إعطاء المزيد من الاستقلال للصحافة والصحفيين. حتى لا تقوى السلطة التنفيذية على كبح الآراء، وكتم الأصوات".

بينما يرى أستاذ آخر: "إن الصحافة لا يمكن أن تكون سلطة إلاّ إذا اعتبرناها جهازاً، من أجهزة الحكم، فمن خصائص السلطة أنها تصدر قرارات نهائية، وملزمة، من دون الرجوع إلى سلطة أخرى، ولا تخضع لموافقة، أو تصديق سلطة أخرى. ومن ثم، فالقول إن الصحافة سلطة يحولها، حتماً، إلى جهاز، من أجهزة الحكم، في الدولة، وينفي وجود حرية صحافة؛ لأن حرية الصحافة تعني تعدد الآراء، واختلاف الاتجاهات. أما السلطة فهي تقوم على الوحدة والانسجام. ولذلك يؤخذ منها، في حالة تعدد الأجهزة القائمة على ممارسة السلطة، برأي الأغلبية؛ فيصدر القرار منسوباً إلى الجميع، أي إلى كل من يشارك، في صنع القرار، سواء كان مؤيداً أو معارضاً، مادام القرار يتفق مع رأي الأغلبية. وهذا لا ينسجم مع فكرة حرية الصحافة، وتعدد الآراء واعتبار الصحافة رقيباً على السلطة، ومعبرة عن اتجاهات الرأي العام".

ويرى محمد سيد محمد أن القول إن الصحافة سلطة رابعة، في الدستور، ليس معناه أن تكون الصحافة، بمثابة البرلمان، في التشريع، أو بمثابة القضاء، في إصدار الأحكام واجبة التنفيذ، وإنما معناه أن تنظيم الصحافة لابد أن يكون شاملاً، وأساسياً، وأن القوانين المنظمة للصحافة ينبغي أن تتكامل وتتناسق، بحيث تشكل هيكلاً متوازناً يعبر عن كافة الأبعاد الضرورية للعملية الصحفية من بداية التفكير، في إصدار صحيفة، إلى وصولها إلى يد القارئ، والتخطيط لإصدار الصحيفة، والتنظيم القانوني لإصدارها، والحصول على المعلومات والأخبار ونشرها، وحق المجتمع في المعرفة، وحق الفرد في عدم تشويه سمعته، حسب قوانين وقواعد مختلفة.

وهكذا فإن الصحافة كغيرها، من المؤسسات الإعلامية، في المجتمعات الديموقراطية، تؤدي مهامها، بين أفراد الشعب، من دون أن يحس أحد بالسلطة. والمؤسسات الإعلامية هي مؤسسات لها مهام، تتعلق تعلقاً شديداً، بالروابط الاجتماعية، وتحتل مرتبة عالية بين المؤسسات الأخرى، ذات الصلة بالمجتمع، ومهما كان شكل الحكومة، وطابعها؛ فإن الصحافة تربط بين مختلف المؤسسات الاجتماعية. وفي النظام الديموقراطي، تعد الصحافة كياناً قائماً يشارك الأحزاب، والجماعات، والحكومات ولها إطارها التشريعي والقانوني الخاص بها.

صحافة المعارضة

وهي، كما يقول فريزر بوند، واسطة التعبير عن الأقليات، سواء كانت أقليات سياسية، فشلت في الوصول إلى السلطة، بالطريق الديموقراطي، أو أقليات دينية، أو عرقية، أو لغوية.

وإذا كانت المعارضة، ومن ثم صحافتها، من الظواهر، التي لا يمكن أن يخلو منها مجتمع، من المجتمعات، فإن وجود صحافة المعارضة يخضع لاعتراف النظام السياسي، بالمعارضة نفسها، ومنحها حرية العمل، والتنظيم، والتعبير، كما يخضع للمساحة، التي يمنحها النظام الإعلامي لها، في أصوله القانونية.

وفي الدول، التي تتبنى النظام الإعلامي الليبرالي، يختلف النظر إلى صحافة المعارضة، من دولة إلى أخرى، حسب النظام، السياسي المتبع، وما إذا كان نظاماً ثنائياً، أو متعدداً؛ ففي ظل نظام الحزبين السياسيين، الذي تتبناه كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تتمتع الصحافة بمساحة واسعة، من الحرية، في علاقتها بالسلطة السياسية، واستقلالها، عن سلطة الدولة، التي يشترك الحزبان، معاً، في السيطرة عليها، الأمر الذي أدى إلى تراجع أهمية الصحافة الحزبية، من جانب، وتضاؤل اهتمام الحزبين بإصدار صحف خاصة بهما.

وفي بريطانيا كثيراً ما تواجه الحكومة الحزبية برغبة الصحف، ومحطات الإذاعة، والتليفزيون، التي يحق لها الإشراف عليها، في الخروج من إطار الحزبية، وإظهار استقلالها، من خلال عدم تلبية رغبات الحزبيين، بعدم النشر، أو النشر حول موضوع ما.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن القول بوجود صحافة معارضة، بالمفهوم الحزبي، في هذا النظام، حيث ينظر للصحافة، عموماً، وليس الصحافة الحزبية فقط، على أنها صحافة رقابة شعبية Public Watch Dog؛ بمعنى أنها تراقب الحكومة، والسلطة السياسية، بصفة عامة، لحساب الجمهور العام. استناداً إلى الاعتقاد بأن مراقبة الحكومة هي الوظيفة، أو الدور الأساسي للصحافة، الذي يفوق كل وظائفها الأخرى، في الأهمية، على أساس أن مثل هذا التدخل سيؤثر على وظيفة المراقبة وأن الصحافة، التي تخضع للتنظيم، ستكون عرضة للضغوط السياسية.

ويقتصر وجود صحافة المعارضة، في هذا النظام (الليبرالي)، على ما تصدره جماعات المصالح، أو ما يطلق عليه الأحزاب الثالثة، من صحف. وينحصر دورها، في مناصرة قضايا محددة، أو معارضة سياسات معينة، كمحاربة التمييز العنصري، ومنع الخمور، ومقاومة الحروب، وصناعة الأسلحة النووية... الخ.

أمّا في الولايات المتحدة، فقد جرى العرف التاريخي، على إطلاق صفة الصحافة السرية Underground Press، على الصحف التي انتشرت، في حقبة الستينات، والتي عبرت عن معارضي الإمبريالية، والليبرالية، والفصل العنصري، ودعاة اليسارية، والسلام، وحقوق السود، وحركة المرأة، ومناهضة الحروب. وكانت هذه الصحف، في مجملها، صحافة ضعيفة، تعتمد على أساليب الإثارة العاطفية، وكانت تصدر، بأموال قليلة، وعدد قليل من الصحفيين، وبإمكانات طباعية هزيلة، أو من دون مطابع، على الإطلاق.

أمّا بالنسبة للنظم الاشتراكية، فكانت الصحافة تعمل فيها، كأداة للدعاية والتعبئة، وانتفى وجود صحافة معارضة، في ظل هذه النظم، على اختلاف مسمياتها، اشتراكية كانت، أو ماركسية، أو يسارية، وذلك نتيجة حظرها قانوناً. بحجة أن النظم المعارضة، بكل صورها، بما فيها صحافة المعارضة تقع ضمن جرائم الثورة المضادة لسيطرة الطبقة العاملة. وفي التجربة السوفيتية ـ وهي التجربة الأم ـ حرم الدستور الفيدرالي، الصادر عام 1936، المعارضة، ونقد الدولة السوفيتية، وقصر حرية الصحافة، على الطبقة العاملة، وحدد مهمة الصحافة في تأييد الحكم الاشتراكي، ومن ثم كان استخدام الصحافة، من جانب غير الشيوعيين، أمراً خارج المناقشة، وعلى هذا الأساس، نُظر إلى صحافة المعارضة، على أنها صحافة أعداء الشيوعية، وأعداء الطبقة العاملة، والدولة الشيوعية.

وبالنسبة لدول العالم الثالث، لا يمكن إصدار حكم جامع على مفهوم صحافة المعارضة فيها لاختلاف الأنظمة الإعلامية داخل العالم الثالث اختلافاً كبيراً، حيث تتنوع قوانين الإعلام، وتتذبذب بين الحرية وبين تقييد الحرية، وبين الملكية العامة والملكية الخاصة، ووفقاً لطبيعة النظام السياسي يتحدد الاعتراف بالمعارضة، والسماح بصحافة المعارضة؛ ففي الدول، التي تتبنى نظام الحزب الواحد، يمتلك الحزب كل وسائل الإعلام، وفي الدول، التي أخذت طريقاً سياسياً، يسمح بالتعددية السياسية، وحرية تشكيل الأحزاب، سُمح فيها للصحف المعارضة بالظهور، والعمل إلى جانب صحف الحكومة، وإن ظل الحزب الحاكم، الذي كان، في الأصل، الحزب الواحد، أو حركة التحرير، يسيطر على غالبية الصحف.

 

//-->