|
الفصل الخامس الملامح الاقتصادية والاجتماعية في بيروت في القرن التاسع عشر تعتبر العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بيروت من أسس التكون التاريخي والديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي، ذلك أن هذه الأسس تعود إلى بداية الفتح الإسلامي لبيروت وبلاد الشام، وقد اعتادت العائلات البيروتية عبر عصور متتالية: من الفتح الإسلامي، فالعهد الأموي مروراً بعهود متتالية إلى العهد العثماني، على أن تعيش معاً مسلمين ومسيحيين، وقد أقيمت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين هذه العائلات في بيروت في القرن التاسع عشر فضلاً عن علاقاتها مع رعايا الدولة العثمانية ورعايا الدول الأجنبية، على عدة عوامل وأسس منها : 1- الحارات والأحياء والمناطقفي إطار الحارات والأحياء والمناطق، سواء في داخل السور أو في خارجه تفاعلت العائلات الإسلامية والمسيحية، وكان من أهم الحارات (الأحياء) التي تلتقي من خلالها العائلات البيروتية في باطن بيروت في داخل السور ثلاث حارات : 1- حارة الإسلام. 2- حارة النصارى. 3- حارة اليهود وهي أصغر الحارات. وقد شهدت هذه الحارات والأحياء والمناطق تفاعلاً بين المسلمين والمسيحيين في مختلف المجالات، حتى أن تكون المناطق البيروتية خارج السور، اختط خطة جديدة له أكثر انفتاحاً حيث شهدت مناطق الأشرفية، ورأس النبع ورأس بيروت وزقاق البلاط والمزرعة وسواها تمازجاً سكانياً إسلامياً مسيحياً، مما أسهم مجدداً في تزايد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. 2- الأسواق البيروتية: لقد شهدت بيروت أسواق متخصصة في باطن بيروت كانت عاملاً أساسياً في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين في القرن التاسع عشر. ومن بين هذه الأسواق : سوق الأساكفة، سوق البازركان، سوق الحدادين، سوق البوابجية، سوق البياطرة، سوق الخضار، سوق الساحة، سوق ساحة الخبز، سوق الشعارين، سوق الشبقجية، سوق العطارين، سوق القطن، سوق اللحامين، سوق المنجدين، سوق النجارين، سوق باب إدريس، سوق سرسق، سوق اياس، سوق سيور، سوق الجميل، وسواها. وبدون أدنى شك، فقد كانت هذه الأسواق تكون مجتمعاً اجتماعياً واقتصادياً للأسرة البيروتية : المسلمة والمسيحية. وقد شهدت معاملات مهنية وحرفية أنتجت مزيداً من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وكثيراً ما شهدت هذه الأسواق تفاعلات مع التجار غير البيارتة سواء القادميـن من المناطق اللبنانية، أو الولايات العربية، أو الدول الأجنبية. 3- مرافئ بيروتشهدت بيروت منذ فجر التاريخ مرفأها الشهير، وكانت تشاهد جميع أنواع السفن التجارية والحربية في هذا المرفأ لاسيما في القرن التاسع عشر. ونتيجة لتطور العلاقات الاقتصادية بين بيروت والولايات العربية والبلدان الأجنبية، فقد استحدثت عدة مرافئ متخصصة منها : ميناء القمح، ميناء البصل، ميناء الأرز، ميناء البطيخ، ميناء الخشب، ميناء السلسلة، وموانئ أبعد قليلاً منها : ميناء الشامية، ميناء الحصن (الحسن)... ولا شك بأن هذه المرافئ مجتمعة شكلت حركة ناشطة اقتصادية واجتماعية، فكانت مراكز حضارية للتلاقي الإسلامي المسيحي في إطار المصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة. 4- الخانات (الفنادق)شهدت بيروت كسائر المدن العثمانية، خانـات (فنادق) عديدة تنتشر حول مرفأ بيروت، وحول الأحياء البيروتية في باطن بيروت، مثل خان أنطون بك، الخـان الجديد، خان فخري بك... وهذه الخانات كان يرتادها التجار من اللبنانيين والعرب والأجانب، وتعقد فيها الاجتماعات مع تجار بيروت من مختلف الطوائف اللبنانية، وكانت هذه الاجتماعات ذات أبعاد اقتصادية، مما كان ينعكس إيجاباً على العلاقات الاجتماعية والمنافسات الاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين البيارتة. 5- الساحات والحدائق والمياديناهتمت الدولة العثمانية لاسيما في القرن التاسع عشر، بإقامة الساحات والحدائق والميادين العامة، كمراكز ترفيهية، ومتنزهات لأبناء بيروت قاطبة. وكانت ساحة البرج (الشهداء فيما بعد) من أهم ساحات الالتقاء بين البيارتة على مر تاريخ بيروت، فضلاً عن ساحات أخرى مثل : ساحة الثكنات، ساحة الدركاه، ساحة دير العازارية، ساحة القمح، ساحة الهال، ساحة المصلى، فضلاً عن ميدان البلشة، وميدان بيروت، وميدان حرج بيروت، وحدائق متعددة في مقدمتها حديقة الجوسق في باطن بيروت. إن جميع هذه الساحات والحدائق والميادين والمزارع أيضاًَ، كانت عنصراً أساسياً من عناصر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين في بيروت. 6- طرق المواصلات والبريد والبرق والهاتف والكهرباءشهد القرن التاسع عشر نقلة نوعية في تقديم الخدمات في ولايات ومدن الدولة العثمانية، ومن بينها مدينة بيروت التي شهدت نهضة عمرانية واقتصادية واجتماعية واضحة المعالم. وبدون أدنى شك، فإن القرار العثماني الذي نص على ضرورة تعبيـد الطرقات البرية، وإنشاء خطوط السكك الحديدية لاسيما خط بيروت دمشق، فضلاً عن خطوط السكك الحديدية بين المناطق اللبنانية، كل ذلك أدى إلى تطور الحركة التجارية والاقتصادية والمالية في بيروت والمناطق اللبنانية. كما أسهم البريد والبرق والهاتف والكهرباء فيما بعد بتطور لافت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كون هذه العناصر من سمات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. 7- المحاكم الشرعية في بيروتإن المحاكم الشرعية في بيروت في العهد العثماني، كانت تنقسم إلى عدة محاكم، وهي تماثل محاكم العدلية اليوم، ولم تكن حكراً على معاملات ودعاوى المسلمين، بل كانت لجميع الطوائف وفئات المجتمع ليس للبيارتة فحسب، وإنما لكل مقيم في بيروت، أو لكل من أوكل من المناطق العثمانية وكيلاً عنه في بيروت لمعاملة ما، ثم إنها لم تقتصر اهتماماتها على معاملات الإرث والزواج والطلاق والوصية، بل شملت معاملاتها جميع ما يتعلق بالحياة الدينية والدنيوية للمسلمين والمسيحيين على السواء، بما فيهم الأجانب من رعايا عاديين، ومن قناصل وهيئات قنصلية ودبلوماسية. من هنا ندرك أهمية سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، فهي وثائق أساسية لا يمكن الطعن في صحتها، من حيث توثيقها للحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومن حيث توثيقها للمعاملات المالية، بما فيها الاطلاع على أنواع العملات والنقود العثمانية والأجنبية المتداولة في العهد العثماني. وفضلاً عن هذا وذاك، فإن مراكز المحاكم الشرعية في بيروت تكمن أهميتها في أنها كانت مراكز التقاء بين المسلمين والمسيحيين للبحث في بعض الشؤون المالية أو الاجتماعية أو الدينية. 8- عناصر أخرىبالرغم من تواضع مدينة بيروت مقارنة مع مدن عثمانية كبرى مثل دمشق والقاهرة وبغداد، غير أن بيروت لا سيما بعد إعلانها ولاية عام 1888، باتت أكثر أهمية، وشهدت مزيداً من العلاقات الإسلامية المسيحية. ومما ضاعف من هذه العلاقات عناصر أخرى غير السابقة الذكر منها :1- الجوامع والمساجد والزوايا والكنائس والأديرة. 2- المؤسسات الحكومية. 3- السرايات. 4- الخستة خانات (المستشفيات). 5- المدارس والجامعات. 6- بلدية بيروت. 7- حرج بيروت. 8- الجبانات والمقابر الإسلامية والمسيحية. 9- القيساريات (الأسواق المسقوفة). 10-المقاهي. يتبين لنا، من خلال دراستنا لعناصر وأسس "العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين في بيروت في القرن التاسع عشر" كم هي مهمة دراسة هذه العناصر من خلال وثائق وسجلات المحكمة الشرعية في بيروت المحروسة، إذ باستطاعة الباحث التوصل إلى حقائق جديدة عن بيروت، لاسيما في إطار العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، بحيث تمثل هذه الحقائق مادة بحثية وتاريخية جديدة، تؤدي إلى إغناء المكتبة اللبنانية والعربية وإثرائها بحقائق وعناصر لم يسبق نشرها عن تاريخ بيروت العثمانية وعن التاريخ اللبناني الحديث. 9- الإدارة العثمانية في بيروت وبعض عائلاتها الإسلامية والمسيحيةكانت الدولة العثمانية تعين والي ولاية بيروت من الجنسية التركية، ويكون مقره مدينة بيروت، وكان يعاونه في إدارة الولاية والأقضية : المفتي، مجلس إدارة الولاية، مأمورو الولاية، المحكمة الشرعية وقضاتها وكتبتها، هيئة التخمين، محكمة استئناف الحقوق، محكمة استئناف الجزاء، محكمة بداية الحقوق، محكمة بداية الجزاء، المدعي العام ومعاونه، مأمور دائرة الأجراء، دائرة الاستنطاق، محرر المقاولات، محكمة التجارة، مأمورو إدارة المعارف، دائرة الأوقـاف ولجنة الأوقاف، لجنة الطرق والمعابر، إدارة البنك الزراعي، دائرة الشرطة. وكانت هذه الدوائر أو بعضها يضم بعض الموظفين مثال : الدفتردار، المكتوبجي، المحاسبجي، التذكرجي، اليوزباشي، القومندان، رئيس المحكمة، مدير البوليس، رئيس البلدية، نقيب الأشراف، مدير البرق والبريد، مدير المعارف، مفتش الصحة، مدير الأمور الأجنبية، رئيس مهندسي النافعة، ناظر النفوس، مدير تحرير الويركو (الضرائب)، محاسب الأوقاف، مفتش الأحراج، مأمور السجل السلطاني، مأمور المعية، مفتش الزراعة.... ومن بين ولاة بيروت الذين تبوأوا منصب الوالي : مدحت باشا، أدهم باشا، بكر سامي بك، حازم بـك، حمدي باشا، خليل باشا، رشيد باشا، ناظم باشا، عزمي بك، علي منيف بك، إسماعيل حقي. أما رؤساء بلدية بيروت فقد كانوا من أبناء بيروت ومنهم : محي الدين حمادة، الشيخ عبد القادر قباني، عبد القادر الدنا، محمد أياس، سليم علي سلام، عمر الداعوق. أما العائلات البيروتية في العهد العثماني فهي بأكثريتها من الطائفة الإسلامية وهناك عائلات مسيحية جلها من الروم الأرثوذكس. أما أهم العائلات البيروتية الإسلامية فهي على سبيل المثال لا الحصر : الأزهري، الأسطة، الأسير، الأحدب، الأنسي، إدريس، أياس، بالوظة، قليلات، بدران، البراج، البربير، برهومي، بكداش (ومكداشي وبكداشي) بكار، بنداق، بلوز مشاقو (مشاقـة)، بليق، بواب، بولاد الحوت، بيضون، بيهم، تنير، جبر، الجبيلي، الجزائري، الحسامي، جلول، الجمَّال، الجندي، جارودي، حاسبيني، حبـوب، حبال، حمـد، الحص، حطـب، حلاق، الحلواني، حمادة، حمزة، حنتس، الحوت، حوري، دريان، درويش، دعبول، دمشقية، الدنا، دندن، دوغان، ديـاب، دية، الراعي، خالد، خرما، خضر، خطاب، الخياط، الداعوق، دبوس، الرافعي، الرفاعي، رمضان، رواس، زعني، زغلول، زنتوت، سبليني، سراج، سروجي، سحمراني، سعادة، السقعان (السجعان) سلطاني، سـلام، سنتينا، سنو، سوبرة، شبارو، شاتيلا، شاكر، شانوحة، شبقلو، شعار، شدياق، شهاب، الشيخ، صعب، صفصوف، الصلح، الصيداني، طبارة، الطبش، الطبيلي، الطرابلسي، طربيه، الطيارة، العالية، عبلا، العجم، العجوز، العريس، العريسي، عز الدين، عسـاف، العشي، عفرة، العلماوي، علم الدين، علوان، علايا، عمـران، العوينـي، العيتاني، الغالي، الغر (الأغر) غزاوي، غزيري، الغلاييني، غندور، الغول، الفـاخوري، فانوس، فايد، فتـح الله، فتح الله الشيخ، فتـح الله المفتي، فتوح، الفحـل، فروخ، الفيل، القـاروط، القاضي، القاطرجي، قباني، قدورة، القرا بدران، قراقيرة، قرانوح، القرقوطي، قرنفل، قريطم، قزاز، القصاب، القصار، القضماني، القطان، قواص، القوتلي، قمورية، الكبي اللحام، كريدية، الكستي، كشلي، الكعكي، كنيعو، الكوسا، الكوش، اللبان الداعوق، لبابيدي،اللادقي، المبسوط، المبيض، المجذوب، المحب، محرم، المحمصاني، محيو، المدور، ميرزا (مرزي) مرعي، مشاقة، مغربل، مغربي، مكاري، مكاوي، مخزومي، مكداشي، مكوك، مكي، منجـد، منقـارة، منيمنة، مورلي، ميقاتي، الناطور، نجا، النحاس، النحيلي، النصولي، نعماني، النقاش، النقيب، النويري، الهبري، الهواري، وهبه، الوزان، ياسين، اليافي، يموت... . ومن العائلات الدرزية البيروتية على سبيل المثال عائلات : جابر، حلبي، حمندي، حمد، حمية، معقصة، ديك، ربح، رباح، رضوان، وتوات، روضة، الزهيري، علاء الدين، زيتون، السواح، سليت، شنتوف، سري الدين، ضاروب، عاقل، عبد الخالق، العريضي، عساف، عود، غاوي، الفر، غضبان، غزارة، قمند، مروش، منذر، مياسي، نعمان، هشي، يونس.... . ومن العائلات المسيحية البيروتية على سبيل المثال عائلات : الأرقش، اليان، بسول، برباري، بسترس، تابت، تيان، تويني، داغر، دهان، رزق الله، زهار، سابا، سرسق، السلموني، السيقلي، الصباغ، طاسو، طراد، طربيه، العم، قسطـة، مطر، الهاني، يارد، يمين، فرعون، مجدلاني.... . 10-الواقع الاجتماعي في بيروت العثمانيةكانت العائلات البيروتية تكّون المجتمع البيروتي الذي شهد موجات من الوافدين الأتراك والأوروبيين وموجات أخرى وافدة من الولايـات الإسلاميـة والعربية. وعبر الحقب التاريخية تمت حركة التشابه في العادات والتقاليد والممارسات مع ما تتميز به العائـلات البيروتية من بعض التبـاين بسبب المعتقدات الدينيـة. وبشكل عـام فقد كان المجتمـع البيروتي مجتمعاً متشابهاً في كثير من مظاهرة، وقد كانـت المسلمـات والمسيحيات محتجبات خاصة إلى حد كبير، كما أن المسلمين والمسيحيين من الرجال كانوا يلبسون ثياباً موحدة كالسروال العثماني (الشروال) والقمباز والصدرية الكشمير واللاستيك (الجزمة) خاصة الأغنياء منهم، ويعتمرون الطربوش. مع العلم أن الفئات المثقفة من مختلف الطوائف قد بدأت تتفرنج بلباسها وعاداتها وتقاليدها منذ أواخر القرن التاسع عشر. ومما يجمع العائلات البيروتية محكمة بيروت الشرعية التي كانت تبحث أمور مختلف الطوائف الإسلامية والمسيحية واليهودية أيضاً. فمعاملات الإرث والأوقاف والديون والدعاوى والشكاوى وتعيين علماء الدين، كانت كلها تسجل في سجلات المحكمة الشرعية للدولة العلية في مدينة بيروت المحروسة . هذا وتصور لنا بعض الأبحاث ومذكرات الرحالة أوضاع بيروت الاجتماعية في القرن التاسع عشر. ومما يذكره د. أسد رستم عن واقع بيروت في عهد إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي باشا ما يفيدنا في بعض الجوانب الاجتماعية كقوله : " لو أتيح لك أن تدخل مساكن هؤلاء الأغنياء لوجدتها خالية من قسم كبير من الأثاث الذي نعده اليوم ضرورياً لراحتنا، فلا ترى فيها الأسرّة الأوروبية التي نراها اليـوم ولا الخزانـات لحفـظ الثياب. فإن البيروتي سنة 1831 كان لا يزال مصراً على استعمال المصابيح الفخارية والمعدنية...." ولما عين الأمير محمود نامي حاكماً على بيروت (1833 1840) م أنشأ نظام الشرطة الذي يفيدنا فيما يفيدنا به عن المميزات الاجتماعية في هذا النظام، وكان من بين القرارات المتخذة في بيروت القبض على كل شخص لا يحمل ليلاً بيده مصباحاً. وكانت عادة الشرطة أن يوجهوا إلى كل من نظروه من أبناء السبيل في الليل سواء أكان مسلماً أو نصرانياً السؤال الآتي : من هذا ؟ فيجيبهم: " ابن البلد ". فيصيح الشرطي حينئذ ويقول له : " وحّد الله " فيقول ابن السبيل " لا إله إلا الله "ومنذ العام 1833 بدأت ملامح " التفرنج" على بيروت، وازدادت عمليات الاحتكاك بالأوروبيين، فتأثرت العمارة بالهندسة المعمارية الأوروبية، وشاع في بيروت استخدام الأثاث الإفرنجي، فابتاع البيروتيون الأسرَّة والخزانات والكراسي والطاولات، واقتنوا الصحاف والشوك والسكاكين والملاعق الإفرنجية. وقد تأثر الشعب بزي أفراد الجيش المصري، فالتعديلات التي طرأت على لباس الجيش سرت وتناولت لباس أفراد الشعب، فخف لبس العمامة من لباس الرأس، وقل الاقتصار على لبس الجبة والقنباز، وأدخلت الطرابيش المغربية والصداري وكبابيت التفتيك. وبعد أن كان البيروتي يميل إلى اقتناء الثياب ذات اللون الأحمر والبنفسجي، أخذ يهجرها شيئاً فشيئاً، ويتخذ الأسود والكحلي منها. وشاع أيضاً في هذه الفترة من تاريخ بيروت استخدام الكلسات (الجوارب) . ويفيدنا الشيخ محمد عبد الجواد القاياتي القادم من مصر إلى بيروت إثر حركة أحمد عرابي عام 1882م الكثير من الملامح الاجتماعية في بيروت العثمانية والتي شاهدها بنفسه. ومما يذكره عن أبناء بيروت ونشاطهم ".... ولاشتغال أهل هذه المدينة بأشغالهم التجارية من الصباح إلى المساء ما بين كونه في دكان أو حاصـل يبيع ويشتري، أو في المينا يستخرج بضاعته المجلوبة إليه من أوروبا أو بلاد أخرى، أو ينزلها إلى جهات ثانية لشركائه وعملائه، أو في أحد الدواوين والمجالس مستخدماً بمأمورية أو كتابة، فليس لهم وقت فراغ، فلا تراهم يكثرون من السهرات الليلية في الحظوظ والشهوات النفسية، ولا يشتغلون بكثرة مجالسة الأصدقاء والأقرباء ولا مؤانسة المسافرين والغرباء إلا على قدر الضرورة، كعزيمة أو وليمة لعزيز أو قادم كريم...... وبالجملة فبيروت مدينة إسلامية ديناً وغيرة وحمية، أوروباوية نظامـاً وبناء وحربية، فإنهم مع كثرة مخالطتهم لغير أهل دينهم من وطنيين وأجانب في غاية الصلابة والتحفظ على شعائر الدين. ولم يقلدوهم في طول مدة العشرة إلا في مراعـاة القوانين والنظامات. في المرافعات والمدافعات، والمباني المشيدة البهجة، والطرقات والأسواق المنفرجة، وفيها غاية السهولة في تناول البضاعات التجارية والتحارير والرسائل بواسطة البوستات والوابورات الأجنبية. فالسفار فيها والأخبار يومية لا كغيرها من البلاد السورية، فهذه مزية لها وأي مزية" . ومما قيل في أهل بيروت "لا يظهر على الرجل منهم كآبة الحزن والترح، ولا تلألأ وجهه بالسرور والفرح. فهم رجال لا تلهيهم عن معاشهم أفراح ولا أتراح فليت أهل مصر يتشبهون بهم والتشبه بالرجال فلاح" . 11- نساء بيروت المسلمات والمسيحياتوعن نساء بيروت في القرن التاسع عشر، فمنهن من يلبس الأزار الأبيض أو الملائة (الملاية) الحرير، وعلى وجوههن المناديل الرقيقة الأسلامبولي، وفي أرجلهن اللستيكات (الجزم) الإفرنجي، ولا يظهرن من أبدانهن شيئاً، وهن النساء المسلمات خاصة. أما نساء النصارى فيلبسن الفساتين الواسعة وعلى رؤوسهن الطرح الرقيقة، وهن مكشوفات الوجوه وربما الزنود، ويمشين في الأسـواق والشـوارع والحـارات ويتحدثن مع الرجال الأجانب في الطرقات والبيوت، ويقلدن الأوروبيات حق التقليد. وبعضهن كنساء أوروبا في إرخاء الذيول ولبس الأعراف والبرانيط على رؤوسهن، ولا يختلفن عنهن إلا باللسان واللغة. ومن العادات الاجتماعية الحميدة في مدينة بيروت عدم الجهر بالمعاصي كشرب الخمر والزنى، بالنسبة للطائفة الإسلامية والطائفة المسيحية على السواء، لأن الشريعة الإسلامية تمنع انتشار مثل هذه الأمور. كما لا يتعاطى أهل بيروت المنكرات كتناول الحشيش وبقية أنواع المخدرات، ولا يوجد في مدينتهم مراكز للمومسات . 12- الواقع الاقتصادي والاجتماعي في بيروت من خلال بعض الرحالةيؤكد عبد الرحمن بك سامي الذي زار بيروت في عام 1890م من أن العادات الاجتماعية في بيروت مختلطة بين العوائد الإفرنجية والشرقية، وأنه ليس عندهم محلات لساقيات البيرة (الجعة) وتقل عندهم المواخير والملاهي وأماكن المومسات التي تطرح الإنسان إلى مهاوي الفقر، وتصرفه عن لذة الاجتماع بأهله وخلانه. كما أكد بأن نساء بيروت محتشمات عاملات في الميادين الاجتماعية والخيرية وفتح الجمعيات والمدارس ومساعدة المعوزات. وأشار إلى بعض الوقائع الاجتماعية فوصف أيام العطل وكيفية قضـاء أهل بيروت هذه الأيام، فقد اعتـاد بعض شبـان بيروت وصيادوها، المولعون بركوب الخيل ولعب الجريد، أن يذهبوا في أوقات العطلة لاسيما يوم الجمعة والأعياد إلى ميدان حرج بيروت الشهير ويتسابقوا على ظهور الجياد، ويظهروا من ضروب الفروسية ما يرتاح إليه الخاطر ويأنس بمرآه الناظر. كما أكد ما سبق الإشارة إليه حول همة "البيارتـة" (أهل بيروت) وكرمهم وحسن ضيافتهم مشيراً إلى أن "أهل بيروت ذوو همة في الأشغال يقومون صباحاً قبل الشمس ويشتغلون طول النهار بلا ملل، كل في عمله، ولا تكاد ترى بينهم باهلاً يتردد بلا عمل إلا فيما ندر. وأشار إلى الطبقات الاجتماعية في بيروت بقوله: "تحتوي هذه المدينة على كل طبقات الناس، ففيها الأغنياء وأصحاب البنوك كالسادات : بيهـم وأيـاس والخواجات بسترس وسرسـق وتوينـي وغيرهـم. وفيهـا المتوسطون كتجار المانيفاتورة.... وفيها أصحاب الحرف والصنائع وغيـرهم. وكل هذه الطبقات تأتلف بعضها مع بعض، ولاسيما في أيام المواسم والأعياد حتى تكاد لا تميز بين غنيهم وفقيرهم... وكلهم على أتم الوفاق كأنهم قد أدركوا أن لكل إنسان وظيفة في العالم، وهذه الوظائف مجموعة معاً تؤلف الهيئة الاجتماعية... إكرام البيروتيين ولطفهم ما يجعلني أردد عبارات الثناء تكراراً عليهم...". وأشار الأمير محمد علي باشا حفيد محمد علي الكبير الذي زار بيروت في العهد العثماني، وسجل انطباعاته عما رآه من أحـوال اجتماعيـة وممـا قالـه : " كان سروري يتجدد كلما كنت أرى أولئك الناس متشبثين بالعوائد الشرقية ومتمسكين بالملابس القديمة والأزياء الفطرية..." أما عن التعليم في مدارس بيروت فقد أوضح محمد علي باشا " بأن التعليم في مدينة بيروت مما يسر أنصار العلم وعشاق المعارف ومحبي التقدم والرقي. ولهذا كنت أرى معظم الأهالي يجيدون القراءة والكتابة، وقلما وجدت مدينة أهلها كذلك في كل بلاد الشام" . أما عن اللغة السائدة في بيروت فهي اللغة العربية، وهناك لغات أخرى مستخدمة كاللغات التركية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية. وتظهر ملامح الحياة الاجتماعية في بيروت العثمانية وأنماطهـا وحركتهـا عبر الأسواق التجارية والعلاقات الاقتصادية وأماكن ممارسة الحرف والصناعـات والتجارة، وعبر المؤسسات الدينية كالجوامع والتكايا والزوايا والكنائس والأديرة، والمؤسسات العسكرية كالثكن، كما تظهر الحياة الاجتماعية عبر الحمامات العامة والمعاصر (2)، والمحكمة الشرعية في بيروت المحروسة. وبما أن الحياة الاجتماعية تسود مختلف القطاعات البيروتية، وهي أكثر من أن تشملهـا هذه الدراسة، لذا فإننا سنشير إلى الأسواق البيروتية قاعدة العيش المشترك على مر العصور. 13- أسواق بيروت والمهن والحرف في المجتمع البيروتيإن دراسة الأسواق بما تحويه من مهن وحرف وتجارة في بيروت العثمانية تعطينا فكرة أساسية عن أحد الميادين التي شكلت عنصراً هاماً في حياة المجتمع البيروتي، وهو مجتمع الفئة العاملة، أو مجتمع الحرفيين والتجار الذين قاموا بدور أساسي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بيروت، ومن بين هذه الأسواق : سوق الأساكفة : وهو من الأسواق المتخصصة الذي يتجمع فيه الأساكفة العاملون في مهنة الجلود والأحذية بمختلف أنواعها وأشكالها. وكان هذا السوق يقع في باطن بيروت قرب الجامع العمري الكبير، بالقرب من دكان وقف "قفة الخبز". وكان يوجد سوق البازركان : كان يتجمع في هذا السوق بصورة أساسية أصحاب المهن المتعلقة بالأقمشة والخياطة. وتمركزت فيه دكاكين الخياطين، الذين كانوا يصنعون الألبسة العثمانية البيروتية المعروفة في تلك الفترة. ولما تفرنجت بيروت صار يعرف هؤلاء باسم "الخياطين العربي". وكان يوجد في هذا السوق تجار الأقمشة الحريرية. ويقع هذا السوق في باطن بيروت في إطار قيسارية الأمير منصور الشهابي (وهو سوق مسقوف) يتألف من طبقتين، وكان الطبق (الطابق) الأرضي من القيسارية دكاكين للخياطين. وإلى جانـب هذه الملامح، فقد وجد في سوق البازركـان ميزان الحرير وسوق الصاغة، حيث مورست المهن والحرف والتجارة المتعلقة بالحرير والذهب والفضة... . سوق الحدادين : كان مركزاً لعمل الحدادين العاملين في تصنيع الأشغال الحديدية. وكان إلى جانب كونه مركزاً حرفياً، كان أيضاً مركزاً لدور سكنية عديدة على عادة الأسواق القديمة، حيث يسكن بعض أصحاب المهنة قرب مراكز عملهم. وكان يقـع هذا السوق في باطن بيروت في الطريق إلى أسكلة (ميناء) بيروت. أوله من مدخل سوق البياطرة، كما يلتقي سوق الحدادين بالباب الشرقي للجامع العمري الكبير حتى أول سوق اللحامين عند مدخل كاتدرائيـة مار جرجـس للروم الأرثوذكس. ويتصل أيضاً بزاروب سوق النجارين. ومن ملامحه أنه كان يوجد في آخره جرينة الحنطة لطحن الحبوب . بالإضافة إلى هذه الأسواق، فقد وجدت أسواق أخرى تمثل التجمع المهني والصناعي والتجاري للمجتمع البيروتي أهمهـا : سوق البوابجيـة، سـوق البياطـرة، سوق الخضار، سوق زاوية ومسجد التوبة، سوق الساحة، سوق ساحة الخبز، سوق سرسق، سوق الشبقجية، سوق الشعارين، سوق الطويلة، سوق العطارين، سوق القزاز، سوق القطن، سوق اللحامين، سوق المنجدين، سوق النجارين... . 14-التعريف بسجلات ووثائق المحكمة الشرعية في بيروتإن دراسة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت المحروسة في العهد العثماني، تعتبر أمراً مهماً وملحاً، بسبب الأهمية السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية والاجتماعية التي كانت بيروت تحتلها. أضف إلى ذلك بأن المحاكم الشرعية سواء في بيروت أو في طرابلس أو صيدا أو دمشق أو القاهرة أو القدس أو سواها، كانت هي المحاكم الوحيدة التي تسجل فيهـا مختلف المعاملات الشرعيـة الدينية والمدنية والعسكرية والإدارية. وتعتبر سجلاتها التاريـخ الحقيقـي لمختلف وجوه الحياة في الولايات العثمانية، وهي سجل لمختلف المعاملات ولمختلف الطوائف الإسلامية والنصرانية واليهودية ولجميع رعايا الدولة العثمانية وللأجانب المقيمين في الولايات العثمانية. كما كانت الفرمانات السلطانية والقرارات الحكومية العثمانية الصادرة في استانبول، تعمم على الدوائر المختصة في الولايات العثمانية، بما فيها المحاكم الشرعية، التي تضمنت سجلاتها مختلف الفرمانات والقرارات والتعليمات الإدارية والعسكرية والسياسية والشرعية وسواها . والحقيقة فإن نشر مستندات ووثائق هذه السجلات لن يؤدي إلى إحياء التراث الإسلامي واللبناني فحسب، بل سيؤدي إلى إعادة كتابة التاريخ وقلب المفاهيم التاريخية التقليدية، فهي مستندات لا يمكن الطعن في صحتها مطلقاً. وعلى سبيل المثال فإن هذه السجـلات والمستندات تمدنـا بأنواع وأعـداد الوقفيـات الإسلامية والمسيحية وأماكنها المشرذمة والمتعددة، وأوقاف السلاطين والأمراء، وأوقاف المساجد والزوايا والكنائس والأديرة. كما تضم هذه السجلات أسماء المناطق والشوارع والأحياء والخانات التي اندثرت في بيروت وصيـدا وطرابلـس وسواها. كما تمدنا بأسماء المفتين والبطاركة وقوانين الثكنات العسكرية والفرمانات العثمانية الخاصة بالأوقاف والتجنيد والضرائب ومختلف الأمور الإدارية. كما تمدنا السجلات بمعلومات وافية عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والإدارية التي كانت سائدة في بيروت والولايات العثمانية سواء بين المسلمين والمسيحيين، أو بين المسلمين والمسلمين، وبين المسيحيين والمسيحيين، أو العلاقة مع الرعايا العثمانيين والأجانب. ومما يؤسف له أنني لم أعثر منذ أن بدأت العمل على هذه السجلات منذ عام 1984 على أي سجل من سجلات المحكمة الشرعية يعود إلى ما قبل عام 1259هـ - 1843م. وقد أضاع ذلك فرصة علمية وتاريخية لدراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لبيروت في فترة ما قبل القرن التاسع عشر الميلادي. ولعل سبب ضياع هذه السجـلات الحروب والفتـن المدمـرة التي مرت على بيروت خلال التاريـخ العثماني، كما أن كثرة تبدل مكان المحكمة الشرعية من منطقة إلى أخرى أضاع قسماً آخر من السجلات. والحقيقة فإن هناك غموضاً يكتنف تاريخ "سجلات المحكمة الشرعية في بيروت" على غرار أكثر سجلات المحاكم الشرعيـة في الدولـة العثمانية التي كان وما يزال يعوزها التنظيم والتوثيق والفهرسة وتصويرها على "ميكروفليم" حتى يمكن حفظها وصيانتها من التلف والضياع . وهذا الغموض يكمن في تاريخها وموجوداتها من السجلات والوثائق. وعلى سبيل المثال فإن الدكتور أسد رستم ذكر في عام 1933 بعض هذا الغموض بقوله : "لما باشرنا جمع الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا، حاولنا مراراً أن نقف على شيء من آثار المحكمة الشرعية في بيروت فرددنا خائبين. ولما سألنا المغفور له السيد محمد أفندي الكستي عن سجلات المحكمة البيروتية قال لنا : إنها لا ترجع إلى ما قبل سنة 1270هـ. فاستغربنا كلامه وقتئذ وأسفنا لضياع هذه السجلات، وقد ذكرنا شيئاً من هذا القبيل في مقدمة كتابنا المشار إليه آنفاً...". وكان أسد رستم قد ذكر أيضاً منذ عام 1929 بأن المسؤولين العثمانيين لم يهتموا بتنظيم المحاكم المحلية الصغيرة، وأن قضاة هذه المحاكم "كانوا مخيرين بين أن يسجلوا المعاملات أم لا، ولهم الحرية عند انتهاء مدة قضائهم أن يحملوا سجلاتهم معهم حيث شاؤوا" وكان ذلك سبباً من أسباب ضياع أكثر سجلات المحاكم الشرعية، أضف إلى ذلك أحداث الحرب العالمية الأولى 1914 1918. وأضاف أسد رستم "وينسب سماحة قاضي بيروت الحالي الشيخ محمد أفندي الكستي ضياع سجلات عاصمة لبنان قبل سنة 1270هـ إلى هذه الأسباب نفسها". وفي الوقت الذي أشار فيه أسد رستم نقـلاً عن الشيخ محمد الكستـي ، بأنه لا توجد سجلات في المحكمة الشرعية تعود إلى ما قبل عام 1270هـ، فإذا بالسيد شفيق طبارة ينشر عام 1953 بعض وثائق سجلات المحكمة الشرعية في بيروت خاصة بآل طبارة يعود أقدمها إلى عام 1231هـ غير أن هذه الوثيقة لم تكن من محفوظات المحكمة الشرعية، وإنما من محفوظات أحد أصحابه، وما وجده في سجلات المحكمة الشرعية إنما يعود أقدمه إلى عام 1259هـ - وهو ما عثرنا عليه من سجلات في الفترة ذاتها -. وقد نشر شفيق طبارة في حينه عشر وثائق سبع منها من المحفوظات الخاصة وثلاث وثائـق من محفوظات المحكمة الشرعية. وبهذا يقول :"...أسعفني الزمان بوثائق شرعية قديمة وقعت على بعضها في خزائـن أبناء أسرتي وعلى الآخر عند بعض أبناء الأسر البيروتية... أما الوثيقة الشرعية الأولى والثانية (1268هـ، 1294هـ) فعثرت عليهما عند ابن عمي السيد مختار ابن الشيخ أحمد طبارة، والثالثة (1268هـ) عند السيد إبراهيم قاسم القوتلي، والرابعة والخامسة والسادسة (1260هـ، و 1319هـ، و 1234هـ) عند ابن عمـي السيد حسن خليل طبارة، والسابعة (1213هـ) عند الأستاذ عبد الرحمن المجذوب. ووجدت الثامنة والتاسعة والعاشرة (1272هـ، و 1259هـ، و 1263هـ) مدونة في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت" . وعلى هذا، يمكن القول بأن المعلومات التي أعطاها الشيخ محمد الكستي للدكتور أسد رستم في ثلاثينات القرن العشرين، إنما كانت معلومات أولية أو تقريبية، ولم تكن معلومات أكيدة، لأنه يبدو أن الشيخ الكستي سئل فرد فوراً دون التدقيق ودون مراجعة سجلات المحكمة الشرعية. وعلى كل حال فإن الوثائق الشرعية التي نشرها السيد شفيق طبارة العائد بعضها لعام 1231هـ، والوثائق الشرعية الأخرى الموجودة في البيوتات الإسلامية البيروتية العائدة لما قبل هذا العام، بل للقرن الثاني عشر الهجري وما قبله، لهو من الدلائل الأكيدة على وجود سجلات شرعية وتدوين المعاملات في تلك الحقب، ومن ثم لهو من الدلائل على ضياع هذه السجلات، طالما أن أقدم سجـل موجود الآن في المحكمـة الشرعيـة في بيروت يعـود إلى عام 1259هـ - 1843م، فضلاً من أن سجلات المحاكم الشرعية في صيدا وطرابلس ودمشق وحلب يعود بعضها إلى القرن السابع عشر الميلادي، مما يؤكد على وجود سجلات وحفظها منذ تلك الفترة التاريخية. ولعل مجمل الأسباب السابقة مجتمعة هي التي أدت إلى ضياع سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي : 1-إهمال بعض المسؤولين العثمانيين تنظيم سجلات المحاكم الشرعية، وفيما بعد إهمال المسؤولين المسلمين اللبنانيين. 2-الحروب والفتن التي مرت على بيروت ولبنان، وكانت حرب عام 1840 والحرب العالمية الأولى 1914 1918 إحداها وليس آخرها، إضافة إلى الحروب اللبنانية والفتن الداخلية المتتالية. 3-السماح لبعض القضاة بنقل السجلات إلى منازلهم والاحتفاظ بها أو ببعضها، بل أن القنصل الفرنسي في بيروت هنري غيز أشار بأن منزل القاضي كان بمثابة مكان المحكمة قائلاً : " أما المحكمة فهي في الواقع بيت سكن القاضي، وهو قصر العدل في تلك البلاد، وهنالك تعرض المظالم على اختلاف أنواعها " . 4-تبدل مكان المحكمة الشرعية في بيروت من باطن بيروت إلى مناطق متعددة خارج السور. 5-عدم شعور المسؤولين بأهمية هذه السجلات من النواحي التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أن الملاحظـة التي لا بد من الإشـارة إليهـا، هي أن سجـلات العام 1259هـ - 1843م وهي أقدم سجلات موجودة في محكمة بيروت الشرعية، والتي كانت موجودة منذ عام 1953، ما تزال موجودة ومحفوظة، وهذا ما يبشر بالخير، بالرغم من أنها تحتاج إلى تنظيم توثيقي حديث وإلى تجليد فني حديث، كي تحفظ من التلف والاهتراء. وبالرغم من أنني قمت عام 1984 بهذه المهمة بمبادرة فردية، غير أن ذلك غير كافٍ. ولابد من الإشارة إلى أن مؤسسة المحفوظات الوطنية في بيروت، قد قامت بتصوير هذه السجلات على ميكروفليم منذ سنوات لحفظها من التلف والاهتراء والضياع. هذا وقد سبق أن نشرت عام 1985م كتابي "أوقاف المسلمين في بيروت في العهد العثماني" المستند بصورة أساسية إلى سجلات المحكمة الشرعية في بيروت. وهو أو كتاب يعتمد في معلوماته على سجلات بيروت ثم قمت في عام 1987 بنشر كتاب آخر معتمد على سجلات المحكمة الشرعية هو كتاب "التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بيروت والولايات العثمانية في القرن التاسع عشر" ثم نشرت كتب أخرى ودراسات ومقالات معتمدة بشكل أساسي على تلك السجلات. كما قام بعض الزملاء منذ عام 1982م بنشر بعض سجلات المحكمـة الشرعية في طرابلـس الشام. وكانت الاهتمامات قد توالت منذ سنوات بسجلات المحاكم الشرعية في الولايات العربية في العهد العثماني، فبدأ الدكتور عبد الكريم رافق بنشر بعض الدراسات التاريخية حول وثائق ومستندات وسجـلات المحاكـم الشرعيـة في بلاد الشام. كما قام الدكتور محمد عدنان البخيت ومجموعة من الباحثين بالاهتمــام بسجـلات المحاكم الشرعية في فلسطين والأردن، فأصدروا كتاباً بعنوان "كشاف إحصائي زمني لسجلات المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية في بلاد الشام" . ولا بد من الإشارة إلى أن الأب أغناطيوس طنوس الخوري ومنذ الثلاثينات يعتبر من أوائل الباحثين الذين اهتموا بسجلات المحاكم الشرعية، فأصدر كتابه المشهور "مصطفى آغا بربر حاكم طرابلس واللاذقية 1767 1834م" معتمداً بصورة أساسية على سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس الشام، بعد تمحيص وتأليف استمر طوال ثلاث وعشرين سنة (1934 1957م) . ومن الأهمية بمكان القول، بأن الجامعيين بدأوا يتفهمون أهمية الاطلاع على سجلات المحاكم الشرعية، لما تتضمنه من معلومات هامة وجديدة، لم يسبق أن نشرت في كتاب أو دراسة. ولهذا عمد بعض الأساتذة في الجامعات العربية إلى توجيه طلابهم للاهتمام بمثل هذه الدراسات، لنيل درجات علميـة ( ماجستير ودكتوراه )، أو لنشر دراسات أو مقالات. ومن بين هذه الدراسات المعتمدة على سجلات المحاكم الشرعية، وسجلات وزارات الأوقاف على سبيل المثال لا الحصر : 1- د. محمد محمد أمين : تاريخ الأوقاف في مصر في عصر سلاطين المماليك 1250 1517م. 2- د. محمد محمد أمين : وثيقة وقف السلطان قايتباي على المدرسة الأشرفية وقاعة السلاح بدمياط. 3- للمؤلف نفسه : الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر 1250 1517م. 4- د. أحمد دراج : حجة وقف الأشرف برسباي. 5- د. عبد اللطيف إبراهيم علي : دراسات تاريخية وأثرية في وثائق الغوري. 6- د. عبد اللطيف إبراهيم علي : وثيقة الأمير آخور كبير قراقجا الحسني. 7- د. عبد اللطيف إبراهيم علي : وثيقة السلطان قايتباي على الجامـع والمدرسة بغزة 8- د. محمد مصطفى نجيب : مدرسة الأمير كبير قرقماس وملحقاتها. 9- د. محمد عبد الستار عثمان : وثيقة وقف جمال الدين يوسف الاستادار. 10- د. طلال المجذوب : تاريخ صيدا الاجتماعي 1840 1914. 11- د. نهدي حمصي : وثائق ومستندات أساسية من سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس الشام. 12- محمد ابشرلي، محمد داوود التميمي : أوقاف وأملاك المسلمين في فلسطين، من منشورات منظمة المؤتمر الإسلامي مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية استانبول. 13- محمد حلمي الرواس : الحياة الاقتصادية في صيدا العثمانية 1840 1888. 14- د. خالد المرعبي : الإمارة المرعبية 1714 1840. 15- د. عمر عبد السلام تدمري : وثائق نادرة من سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس. 16- دراسات أخرى اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية سواء في بيروت أو صيـدا، مثل دراسة للباحث أسعد تميم، ودراسة للباحث غسان سنو وسواهما. |