الفصل السادس

 

العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المسلمين والمسيحيين

والرعايا العثمانيين والأجانب في بيروت في القرن التاسع عشر

 

1-    تأجير وبيع عقارات الأوقاف الإسلامية وبيع عقارات للمسلمين والمسيحيين في بيروت

تطالعنا وثيقة يعود تاريخهـا إلى غرة ربيع الأول سنة 1262هـ على غاية من الأهمية، تؤكد على أن المسؤولين عن الأوقاف الإسلامية في بيروت لم يجدوا مانعاً من أن تستثمر وتؤجر الأوقاف الإسلامية للنصارى في بيروت، والملاحظة الهامة أيضاً، بأن هذه الأوقاف لم تؤجر للنصارى لسنة أو لسنوات قليلة، بل امتدت إلى تسعين سنة إيجار . وقد جاء في الوثيقة حول الموضوع المشار إليه أنه "استأجر واستحكر الذمي النصراني ميخائيل ولد جرجس الضاني من السيد عبد الله ابن الحاج محمد خرما المتولي على أوقاف جامع الأمير محمد عساف الشهير الآن بجامع السرايا، فأجره المتولي وأحكره جميع القطعة الأرض الجاري بياض قرارها في وقف الجامع المزبور الملاصقة للفرن الجاري في وقف الجامع المزبور الكاين بمحلة قرا وجاق تجاه سلم بني الفاخوري... جميع المدة المحررة تسعون سنة ابتداؤها من تاريخ أدناه بأجرة قدرها وبيانها عن هذه المدة المحررة خمسة وأربعون ألف قرش فضة أسدية موزعة على السنين المحررة حساباً عن كل سنة خمسماية قرش..."

وجاء في الوثيقة المشار إليها أيضاً، أن مصلحة الوقف تقتضي مثل هذا الإيجار، ذلك أنه "لما رأى المتولي المصلحة الظاهرة والنفع التام لجهة الوقف، أذن للمستأجر والمحتكر أن يبني ويعمر في القطعة الأرض ما شاء وأراد من أنواع البناء والعمارات، ويكون بعد ذلك ملكاً طلقاً للمستأجر والمحتكر مبقي ذلك بطريق الأقدام والبقاء إجاراً واحتكاراً وقبولاً صحيحات شرعيـات صادرات لدى الحاكـم الشرعي المومى إليه، جرا ذلك وحرر في غرة ربيع الأول الجاري من شهور سنة 1262 " وقد وقع كشهود الحال على هذا العقد إثنا عشر شاهداً من المسلمين البيارتة .

وفيما يختص بدعاوى إيجار الوقف، ففي 10 جمادى الأولى عام 1289هـ أقام أميـن ابن الحاج أحمد قريطم دعوى على الحاضر معه في مجلس الشرع الشـريف في بيروت المحروسة الحاج خليل ابن إبراهيم الحص المتولي على قطعة الأرض السليخ الجارية بوقفه مدعياً على المدعى عليه بأنه من نحو خمس سنوات قد أجره الأرض التي وقفها على نفسه مدة حياته، ومن بعده على مصالح زاوية رأس بيروت، بأجرة قدرها عن كل سنة (180) قرشاً، وقد سدد أجرة عن سنتين، كما قام بترميم البئر، وعمل مسطبة بجانبه، وأنه يريد بقاء المأجور بيده، والمدعى عليه يرفض استمرار المدعي في المأجور . غير أن المدعى عليه يرفض استمرار المدعي في المأجور . غير أن المدعى عليه أتى بشاهدين هما الحاج مصطفى ابن الحاج يحي شاتيلا والحاج محمد ابن الحاج يحي شهاب، فأكدا بأن المدعي ترك المأجور منذ ثلاث سنوات متنازلاً عنها . وبعد تثبت الحاكم الشرعي من صحة أقوال الشاهدين، قبلت شهادتهما قبولاً شرعياً، ومنع المدعي أمين قريطم من صحة دعواه، وأمر بإخلاء الوقف .

وفي 17 ربيع الثاني سنة 1262هـ، جرت عملية بيع قطعة أرض "فخر الاماثل الكرام المعتبرين السيد عبد الفتاح آغا حماده الاسكندري ما هو له وآيل إليـه بطريق الحق الشرعي إلى الأخوة الأشقاء وهم : الخواجة نعمة وقسطنطين وأيوب أولاد الخواجة خليل ولد إبراهيم تابت... وذلك المبيع هو جميع الربع الشايع وقدره الربع ستة قراريط من أصل أربعة وعشرين قيراطاً في كل القطعة الأرض المفرزة من بستان يوسف سعد... الكاين بحي الكراوية الشهيرة خارج المدينة المزبورة... وتشتمل القطعة المرقومة على غراس أشجار توت... البيع قاطع ماضي الثمن 2000 مقبوضة... ثم بعد تمام عقد البيع ولزومه، باع جناب البايع للمشتري والمناب عنهما الثلاثة أرباع في القطعة الأرض ومشتملاتها... فقد كمل لهم بهذا الشراء الثاني جميع القطعة المحررة، بما اشتملت عليه بيعاً صحيحاً شرعياً قاطعاً ماضياً باتاً بثمن قدره عن هذا البيع 1000 قرش مقبوضة كذلك حسب الاعتراف، تحريراً في 17 ربيع الثاني سنة 1262 ".

وفي إطار العلاقات الإسلامية – المسيحية في بيروت، قضايا عديدة سجلت في المحكمة الشرعية، تعبر عن التعاون بين المسلمين والمسيحيين، ومن بينها قضية بيـع بين المسيحيين أنفسهم، كان الشهود فيها من المسلمين . فقـد أشـارت وثيقـة يعود تاريخها إلى 21 جمادى الأولى سنة 1263هـ، إلى أن الذمي النصرانـي ميخائيل ابن الياس الدهان الوكيل الشرعي عن الحرمة انسطاس بنت يوسف طنوس عبد الله الدهان، قد باع بوكالته عنها، وبشهادة كل من الحاج محمد أبي علي اللبان الداعوق والسيد عبد الفتاح بن الحاج حسين خالد العارفين بها، لأخيها حبيب أبي انطوان ابن ميخائيل طنوس عبد الله الدهان، وذلك المبيع هو النصف اثنا عشر قيراطاً في كامل الدار العلوية الكائنة بحديقة الحنطة بآخر سوق الحدادين، وذلك بمبلغ (000,15) خمسة عشر ألف قرش . ثم وقع كشهود حال على هذه العملية كل من : السيد مصطفى قرنفل، الحاج محمد اللبان الداعوق، السيد عبد الفتاح خالد، السيد أحمد ناصر زنتوت .

وفي 8 محرم 1264هـ سجلت في المحكمة الشرعية عملية بيع دار سعد الدين عمر العويني إلى الحاج محمد عبد القادر موسى متولي وقف الجامع العمري الكبير بمال وقف الجامع ولجهة وقف الجامع، وتلك الدار الملاصقة للجامع بثمن وقدره (7250) قرشاً مقبوضة حالاً .

وفي نهاية محرم عام 1278هـ، حضر إلى مجلس الشرع الشريف في بيروت " كل من رفعتلو فوزي بك بن محمد صادق أحد كتبة إيالة صيدا ويوسف آغا ثابت، وباع ما هو لهما وآيل إليهما مناصفة بطريق الشراء بموجب سند بإمضاء وختم المشير المعظم دولتلو السيد محمد فؤاد باشا رئيس مجلس الأحكام العدلية والتنظيمات الخيرية ومأمور إصلاحات عربستان حالاً إلى رافعيه حبيب وفضل الله ولدي جرجس بسترس وحبيب وأبو راجي ولدي بسترس وسليم بن موسى بسترس، فقبل لهم الشراء حينئذٍ بالنيابة عنهم خليل بن فرنسيس يارد، وذلك المبيع هو جميع المخزن المعقود بالمؤن والأحجار المفتوح بابه لجهة الشمال الواقع ضمن الخان الجديد الكائن في اسكلة بيروت، يحده قبلة ملك بني بيهم والدهان، وشمالاً فسحة الخان، وتمامه مخزن يوسف خاشو، وشرقاً مخزن بني درويش، وغرباً مخزن إبراهيم نجا تتمة الحدود البيع قاطع ماضي بات بثمن قدره ثلاثون ألف وخمسماية غرش مقبوضة من مال المناب عنهم بيد البائعين تماماً باعترافهما في سلخ محــرم الحــرام سنة 1278 " .

وفي 23 شوال عام 1286هـ اشترت السيدة بولين بنت البارون شارل ديغول رئيسة عام راهبات الناصرة في بيروت أرض في محلة الأشرفية تخص عمر وصفية ولدي محمد بن حسن بيضون، وفاطمة بنت عبد الرحمن القاروط بثمن قدره أربعة آلاف قرش " وقد جرى البيع المسطور صفقتين كل منهما بعقد مستقل على حدة، فالأول ثلاثة قراريط بثلاثة آلاف قرش، والثانية واحد وعشرون قيراطاً بألف قرش حال مقبوض جميع الثمنين المحررين صاغ ميرية ...." .

وفي 22 شوال عام 1289هـ، سجلت عملية بيع أرض بشاره منصور البيروتي الكائنة في زقاق بسول في منطقة عين المريسة إلى أحمد مؤيد بك والد نصوح باشا العظم بثمن قدره (6200) قرش صاغ .

وفي المحكمة الشرعية في بيروت سجلت شهادة مسلمين ومسيحيين على السواء لتأكيد بعض الملكيات والعقارات، ففي أواخر جمادى الأولى سنة 1299هـ "وفي مجلس الشرع الشريف بمدينة بيروت حضر الحاج سعد الدين بن يحي بن مصطفى شهاب والحاج مصطفى بن عمر بن مصطفى العيتاني والحاج خليل بن خالد بن مصطفى المكداشي والخواجا جرجس بن حبيب بن يوسف بسول البيروتيون العثمانيون، وشهد كل واحد منهم بطريق الاخبار بأن من الجـاري في ملك الخواجـا نصـور بـن يوسـف الغريب وبتصرفه شراء وإنشاء جميع قطعتي الأرض المتلاصقتين بمشتملاتها الكائنتين بمحلة ميناء الحسن في رأس بيروت المشتملتين على دكانين ودارين تحتوي كل منهما على عدة مساكن وأغراس وحقوق شرعية، يحدهما قبلة ملك جميلة بنت جرجس بسول وشمالاً الطريق السالك وشرقاً الطريق السالك، وتمامه ملك بني السيد حمود والياس وحبيب ولدي جدعون، وغرباً ملك حبيب قشوع، تتمة الحدود المقدرة، قيمة ما ذكر بثلاثين ألف قرش رائج بيروت، وقد ورد بذلك علم وخبر من مختاري المحلـة المذكورة، وبناء عليه أعلم ما هو الواقع في غاية جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومايتين وألف " .

2-نماذج من عمليات بيع وشراء عقارات للمسلمين وللمسيحيين وللرعايا العثمانيين والأجانب في بيروت

وفي 4 ربيع الأول عام 1264هـ، جرت عملية بيع وشراء بيت بين بطرس حنا أبي بيضة والسيدة خديجة حسين العدو عماش (عميش) في باطن بيروت قرب قيسارية الأمير منصور الشهابي . ومما جاء في نص الوثيقة أنه "حضر الذمي النصراني بطرس ولد حنا أبي بيضه وباع وفرغ وتنزل عنما هو آيل إليه بطريق حق الكادك الشرعي بموجب الشرط نامه المخلدة  بيده من سعادة عبد الله باشا إلى الحرمة المدعوة خديجة بنت السيد حسين العدو عميش، وقبل لها الشراء والفروغ والنزول السيد مصطفى ابن السيد محمد دبيبو بالنيابة الشرعية عنها، وذلك المبيع هو جميع البيت الواقع فوق سلم الحارة الملاصقة لقيسارية الأمير منصور علو القهوة الكبيرة الشهير ذلك باطن مدينة بيروت، يفتح بابه لجهة القبلة مستوف بالجسور والأخشاب معما يتبع المبيع المذكور من المنافع الشرعية المعلوم الحدود البيع قاطع ماضي الثمن (700) سبعماية قرش مقبوضة حسب الاعتراف . وقد علمت المناب عنها بما هو مرتب عليه لجهة الميرة، وتعهدت بدفعه حسبما قدره النايب عنها، ودفع له الشرط نامه في المجلس المزبور، وسلمه إياه التسلم الشرعي تحريراً في 4 ربيع الأول سنة 1264 " وقد شهد على عملية البيع والشراء السيد مصطفى قرنفل، محمد شاهين الإسكندري، السيد أحمد ابن الحاج عمر الهبري، الحاج محمد ابن السيد حسن بدران .

وفي 29 ذي القعدة سنة 1266هـ تطالعنا وثيقة من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، تمثل علاقة المسلمين بالمسيحيين، كما تعتبـر من عمليات البيع والشـراء المميزة، نظراً لأن الملك يخص مفتي بيروت السابق الشيخ أحمد أفندي الأغر، وعملية البيع تمت بين المفتي وخليل متري سرسق . وقد جاء في نص الوثيقة " حضر جناب عمدة العلماء الكرام وفخر الأماثل الفخام المفتي السابق مولانا السيد الشيخ أحمد أفندي الأغر، وهو بأكمل الأوصاف المعتبرة شرعاً، وباع ما هو له وجار في ملكـه، وتحت مطلق تصرفه النافذ الشرعي إلى حين صدور هذا البيع، ومتصل إليه بطريق الحق الشرعي إلى الخواجة خليل ولد متري سرسق، وهو اشترى منه بماله لنفسه دون غيره، وذلك المبيع هو جميع استحقاق البائع المومى إليه المشاع وقدره النصف اثنا عشر قيراطاً من أصل أربعة وعشرين قيراطاً من كامل الدكان المعروفة بدكان الشيخ إسماعيل المكوك الكائنة في سوق القطن باطن المدينة المزبورة المحدودة قِبلة الدكان الصغير الجارية في ملك أخوي البائع المومى إليه الشقيقين وهما السيد الحاج محمد والسيدة صفية ولدا المرحوم السيد علي آغا المكوك، وشمالاً الدكان الجارية في ملك كنيسة الروم، وشرقاً الطريق السالك وفيه الإغلاق، وغرباً الدار الجاري في ملك ورثة والد المشتري المرقوم تتمة الحدود شركة الشقيقين المذكورين بالنصف الثاني اثني عشر قيراطاً تتمة السهام، البيع قاطع ماضي والثمن عن ذلك سبعة آلاف قرش وخمسمائة قرش مقبوضة بيد البائع المومى إليه حسب اعترافه في مجلس عقده، وسلمه بهذا المبيع، وخلي بينه وبينه التخلية الشرعية، وهو تسلمه لجهة تسلم مثله شرعاً ما كان في المبيع المذكور من درك أو تبعة فضمانه على البائع حيث يجب الضمان شرعاً تحريراً في 29 ذا سنة 1266 ".

هذا، وقد كان شهود الحال على عملية البيع والشراء كل من : السيد ديب السقعان، السيد مصطفى ابن طه كلمني، السيد عمر ابن السيد محمد جلبي البربير، الشيخ أحمد ابن الشيخ قاسم ابن عبلى (عبلا)، السيد أحمد ابن السيد محمد الغريب، السيد أحمد ابن السيد عبد الله علم الدين، الحاج حسن ابن الحاج علي شهاب، وكاتب عقد البيع الشيخ إبراهيم الأحدب .

وفي غرة صفر سنة 1264هـ، تمت عملية بيع وشراء بين آل الداعوق وآل القرداحي لقطعـة أرض في مزرعة القنطاري خارج مدينـة بيروت. ومما جاء في الوثيقـة : "حضر الحاج سعيد بن الشيخ حسن بازار باشي الداعوق، وحضر أخوه السيد سعد الدين الداعوق، وباع كل منهما ما آل إليه بطريق الشراء الشرعي إلى الذمي النصراني بطرس ولد يوسف القرداحي، وهو اشترى  منهما بما له لنفسه دون مال غيره ؛ وذلك المبيع هو جميع القطعة الأرض المفرزة من بستان بازار باشي الداعوق لجهة الغرب الكاين ذلك بمزرعة القنطاري الشهيرة خارج المدينـة المزبورة، المشتملـة على غراس توت وبري، واصلين لوز. يحدها قبلة ملك المشتري، وشمالاً طريق السالك، وشرقاً طريق خاص، وغرباً ملك بني النجار تتمة الحدود البيع قاطع ماضي بالثمن (4750) مقبوضة حسب الاعتراف، وسلماه هذا المبيع وخليا بينهما وبينه التخلية الشرعية . وهو تسلم منه التسلم الشرعي، تحريراً في غرة صفر الخير سنة 1264 أربع وستين ومايتين وألف" . وقد وقع شهود الحال على هذه العملية وهم : السيد مصطفى قرنفل، السيد أحمد الهبري، السيد محمد عبد القادر سلطاني، السيد علي القوتلي، السيد حسن السحمراني، الحاج محمد طبارة، الحاج سعد الدين فروخ، السيد أحمد ناصر زنتوت، الشيخ حسن الحريري .

وتتكرر عمليات البيع والشراء في جميع سجلات المحكمة الشرعية في بيروت . وكان صاحبا خان حمزه وسلوم (أحمد حمزه سنو وشريكه الخواجه الياس سلوم) من المتمولين في بيروت وتبين وثائق المحكمة الشرعية شرائهما للعديد من العقارات والأراضي. ففي 21 محرم 1276هـ سجلت عملية بيع من قبل آل فايد إلى أحمد حمزه وشريكه الياس سلوم لكامل البستان مع أبنية في حي عين الباشورة خارج مدينة بيروت، بمبلغ وقدره لجميع المبيع (45) ألف قرش صاغ ميرية، كل قرش يساوي أربعين ليرة مصرية .

وتشير العديد من الوثائق إلى شراكة إسلامية – مسيحية على غرار شركة حمزه – سلوم . فقد أشارت إحدى الوثائق إلى شراكة بين تجار الحديد من المسلمين والمسيحيين، ومن بينهم شراكة الحاج مصطفى زنتوت مع شريكه الخواجه أسعد نصر .

وفي آخر محرم 1276هـ، سجلت عملية بيع من قبل الخواجه حنا بن بولص الجمال وزوجته حنة بنت دمتري سرسق إلى الخواجه موسى سرسق شقيق حنة، والمشترى عدة جلول بمشتملاتها في مزرعة الرميل خارج بيروت، بثمن قدره (120) ألف قرش صاغ ميرية، كل صاغ منها يساوي أربعون ليرة مصرية . وقد عرّف بالبائعين السيد عثمان بن المرحوم محمد الأسطه، وشهد على عملية البيع والشراء مع شهود آخرين هم : إبراهيم أفندي نصار، أحمد ناصر، الحاج سعد الدين بن السيد أحمد القباني، الخواجه حنا بن الخوري نقولا التبشراني، محمد بن الحاج عمر العويني، الحاج يوسف بن علي أبو ذراع، أبو حسن أفندي الكستي .

وفي 9 صفر 1276هـ، جرت عملية بيع من قبل سعيد بن حسين العيتاني بوكالته عن والدته فاطمة بنت خليل الداعوق، إلى يوسف آغا بن إبراهيم ثابت بوكالته عن شقيقه سليم آغا ثابت، والمشترى جميع قطعة الأرض بمشتملاتها الكائنة في حي السكرية بالقرب من ميناء الحسن خارج مدينة بيروت بثمن قدره ألفا قرش "بألف التشنية" وخمسماية قرش صاغ ميرية، كل صاغ منها يساوي أربعون ليرة مصرية .

وفيما يختص بالمعاملات المتنوعة الخاصة بالرعايا الأجانب، والمسجلة في المحكمة الشرعية في بيروت، فهي عديدة وتتراوح بين البيع والشراء والرهـن والتوكيلات وسواها . ففي 17 شعبان عام 1262هـ " حضر الخواجه ديمان يدي اليوناني، ووكّل الخواجه جربر صاحن قنصل الأميركان، وذلك في قبض وتسلم المبلغ الدين الذي للموكل بذمة الشيخ ناصيف أبي نكد والشيخ حسن نكد والشيخ عباس نكد وبشير داغ، وقدره أربعة وخمسون ألف وسبعماية وستة وثلاثون قرشاً، وقد وصله من أصل ذلك (34937) قرشاً، فيكون الباقي (19799) بموجب السندات التي بيده وكالة عامة شرعية مطلقة مفوضة لرأي الوكيل وقوله وفعله، وقد أقام مقام نفسه وجعل فعله كفعله ... .

وفيما يختص بعمليات البيع والشراء الخاصة بالرعايا الأجانب ورعايـا الدولة العثمانية، فإنها كثيرة ومتعددة الجوانب، ففي 7 ربيع الأول عام 1265هـ تطالعنا عملية بيع هامة من قنصل إسبانيا في بيروت إلى الأمير خليل ارسلان، فقد " حضر الخواجه يوسف كورلا قنصل الصبانيا في محروسة بيروت، وباع ما هو له وجار في ملكه وتحت مطلق تصرفه وآيل إليه بالبناء إلى الأمير خليل القاصر عن درجتي البلوغ والرشد ابن الأمير أحمد ارسلان، وقبل الشراء الآتي بيانه عباس آغا بن حسين إبراهيم الوكيل من طرف جناب افتخار الأمراء الكرام الأمير أمين رسلان الوصي على ابن أخيه الأمير خليل القاصر المذكور بمال القاصر المرقوم للقاصر من النقود التي تركها له والده دون مال غيره . وذلك المبيع .... من كامل العمار الشهير بالبايع المذكور الكاين باسكلة ميناء مدينة بيروت تجاه البحر ... المشتمل المبيع المرقوم على تسع أود ومطبخ مسقوفات بالجسور والأخشاب ... " وبلغ ثمن عقارات القنصل الإسباني بعقدين موقعين في مجلس الشرع الشريف مبلغ (000,90) قرش فضة أسدية .

وفي 8 رجب 1281هـ، جرت في مجلس الشرع الشريف في بيروت عملية بيع أرض حافظة بنت الشيخ مصطفى دندن الكائنة في محلة الدحداح في بيروت للأمير مسعود بن الأمير خليل الشهابي ولزوجتيه أفيتاب وعشقى جمال الجركسيتين مثالثة بينهم بثمن قدره للمبيع المسطور أربعة وعشرون ألف غرش حالة مقبوضة من مال المشتري وزوجتيه .

وفي 16 رجب 1281هـ، جرت في مجلس الشرع الشريف في بيروت عملية بيع وشراء، فقد حضر الأمير سلطان بن الأمير أسعد شهاب، وباع ما هو له وجار في ملكه وتصرفه وآيل إليه بالإرث الشرعي إلى الخواجه اندراوس بن بطرس جنحو، وذلك المبيع هو جميع قطعتي الأرض في صحراء شويفات جبل لبنان، بثمن قدره أربعة آلاف وستماية غرش حالة مقبوضة من مال المشتري . كما تمت عملية بيع وشراء في مجلس الشرع الشريف في 13 شوال عام 1281هـ، وذلك المبيع هو أراضي الست سعدى بنت الأمير عمر الشهابي الكائنة في اقليم الخروب إلى والدتها الست حِسن جِهان بنت عبد الله الجركسية، بثمن قدره للمبيع خمسون ألف غرش مقبوضة .

وفي 15 صفر عام 1283هـ، حضر إلى مجلس الشرع الشريف المعقود في مجلس إدارة لواء بيروت بحضور مكرمتلو السيد إبراهيم أفندي الأحدب نائب الحاكم الشرعي الحنفي، الحاج سعيد ابن الحاج محمد الغندور الشيخ البيروتي، وباع ما هو له وجار في ملكه " إلى صاحبة الخير العميم والفضل الجسيم فخر المخدرات وشرف النساء المعتبرات حضرة السيدة خوشيا زوجة شمس الوزراء العظام وبدر الخدويين الفخام حضرة المرحوم الحاج إبراهيم باشا والي ولاية مصر أسبق، والـدة صاحـب الدولـة والفخامة والأبهة والشهامة السيد إسماعيل باشا والي ولاية مصر حال المعظم أيد الله وجوده وادام سعوده . فقبل لها الشراء المحرر بالوكالة عنها مصطفى حلمي أفندي معاون دائرة حضرتها، ومحمد علي أفندي معاون مالية مصر بمال الموكلة المشار إليها لنفسها . وذلك المبيع ... أربعة عشر قيراطاً ... في كامل المخازن الستة ... الكائنة في محلة المجيدية بالقرب من ساحة الحبوب داخل مدينة بيروت ....... بثمن قدره للمبيع المذكور خمسمائة ليرة عثمانية ..." .

وفيما يختص بالرعايا الأجانب القاطنين في بيروت، فقد أشارت سجلات المحكمة الشرعية في بيروت إلى العديد من معاملات هؤلاء الأجانب وحقوقهم في الشراء والبيع والتوكيل والرهن والوقف وإقامة الدعاوى وسوى ذلك . ففي مجلس الشرع الشريف وفي 7 ذي الحجة 1286هـ، تم تسجيل عملية بيع عقار المرأة الأجنبية دسبينو تدوري مورطاكي الصقلية السافرة الوجه إلى اسكندر انطون مراد البيروتي، والكائن في حي الصيفي في بيروت بثمن قدره للمبيع المسطور أربعة عشر ألف قرش حالة مقبوضة من مال المشتري .

وفي 15 ذي الحجة عام 1286هـ، تم تسجيل إقرار واعتراف يوسف جبرائيل نصر في المحكمة الشرعية في بيروت، بأن قطع الأرض الثلاث الموجودة في محلة القنطاري خارج بيروت، والمحددة في إقراره، هي ملك للطبيب الفرنسي آدم ابن أونوفر دوبرقوسكي سبق أن دفع ثمنها البالغ سبعة وعشرين ألفاً وخمسماية قرش وأن يوسف المشار إليه سبق أن اشترى قطع الأرض للطبيب بما له دون مال غيره .

وفي 30 صفر عام 1287هـ جرت عملية بيع أرض حنة طنوس النجار الكائنة في زقاق الأسود في محلة ميناء الحسن خارج بيروت " للخواجه حبيب ابن برتيه الفرنساوي ترجمان أول قنسلاتو جنرال فرنسا الفخيمة في بيروت حالاً " . بثمن قدره للمبيع المسطور ماية وخمس ليرات فرنساوية سعر كل ليرة ستة وثمانون قرشاً وسبع وعشرون باره البالغ قيمة جميعها تسعة آلاف وثمانية وتسعين قرشاً وخمس عشرة بارة ...".

وفي 3 ربيع الأول عام 1287هـ جرت عملية بيع أرض وثلاثة طوابق تخص قائمقام صيدا عزتلو شاكر بك بن صالح القبرصي والكائنة في زقاق الأسود في محلة ميناء الحسن لترجمان قنصل فرنسا حبيب برتيه المشار إليه، بثمن قدره (1700) ليرة فرنسية، بشهادة رئيس مجلس بلدية بيروت عزتلو أحمد أفندي أباظة والسيد هاشم ابن الأمير عبد القادر الجزائري .

ويلاحظ بأن ترجمان القنصل الفرنسي اشترى عدة أراضٍ على التوالي في عام 1287هـ في زقاق الأسود في محلة ميناء الحسن من السيدة بديعة عبد الرحمن مروش  . ومن السيدة وردة طراف النقور . ومن السيدة منصورة بنت محمد الفاوي .

وفي 28 رجب 1289هـ، حضر إبراهم بن جرجس كارلس إلى مجلس الشرع الشريف في بيروت، وباع وهو بحال يعتبر شرعاً ما هو له وجار في ملكه وتصرفه، وآيل إليه بالشراء الشرعي بموجب حجة شرعية بيده وعلم وخبر محفوظ في المحكمة إلى رافعة هذا الرقيم الشرعي سير (soeur) جلاس بنت كلود جلاس الفرنساوية رئيسة دير العازارية في بيروت، فقبل لها الشراء المحرر بالنيابة عنها الخواجه إبراهيم بن خليل شيحه قبولاً شرعياً، وذلك المبيع، هو جميع قطعة الأرض بمشتملاتها الكائنة في زقاق البلاط التابع لمحلة ميناء الحسن خارج بيروت، بثمن قدره للمبيع المسطور (570,11) قرشاً حالة مقبوضة من مال المناب عنها  .

وهكذا يلاحظ إقبال الفرنسيين على شراء العقارات بكميات كبيرة في عام واحد هو عام 1287هـ، وفي منطقة واحدة هي منطقة ميناء الحسن – زقاق الأسود، مما يعكس اهتماماً فرنسياً بشراء الأراضي والأملاك في بيروت، وفي هذه المنطقة بالذات .

وفي 12 ذي القعدة عام 1289هـ، عقد المجلس الشرعي الشريف استثنائياً وخلافاً للمعهود في دار بني بيهم الكائنة في سوق الطويلة التابع لمحلة الفاخورة في باطن بيروت المحروسة . وكانت دار بني بيهم مأجورة من قنصلية ألمانيا في بيروت ( كنسلارية ألمانيا الفخيمة ) . وفي هذا المجلس الشرعي حضـرت السـت لويزه بنـت غوسطو ده تروت الراهبة البروسيانية المعروفة، وباعت ما هو لها وجار في ملكها " إلى الخواجه تيودور ابن فريدريك وبر قنسلوس جنرال امبراتورية ألمانيا الفخيمة في سورية حالاً . وهو اشترى منها بمال جمعية راهبات البروسيانية في كسيفرت للجمعية المذكورة بالنيابة عنها .... وذلك المبيع هو جميع قطعة الأرض بمشتملاتها الكائنة في زقاق بني الحص التابع لمحلة ميناء الحسن خارج المدينة المزبورة ... بثمن قدره للمبيع المسطور خمسون ألف قرش حالة مقبوضة من مال الجمعية المرقومة بيد البائعة ..." .

2- مصالحة بين والي بيروت وأحد المسيحيين

وتطالعنا مصالحة هامة بين أحد قيادات الدولة العثمانية محصل صفد السابق، وبحضور عطوفتلو السيد مصطفى باشا والي ايالة بيروت، وسعادتلـو عزمي أفندي دفتردار الايالة، وبين رزق الله جرجس حموضة العكي، وتنازل كل منهما عن أية دعوى ضد الآخر . ومما جاء في وثيقة المصالحة والتنازل في 6 محرم 1264هـ : "الحمد لله تعالى بمجلس الشرع الشريف ومحفل الحكم المنيف المنعقد بمجلس شورى مدينة بيروت بحضور عطوفتلو السيد مصطفى باشا والي ايالة حالاً، وحضور سعادتلو عزمي أفندي دفتردار الايالة المذكورة، حضر علي آغا ابن الحاج عرب المغربي محصل صفد سابق، وأقر وهو بحال الصحة والسلامة في العقل والبدن، أنه لا يستحق ولا يستوجب بطرف رزق الله ولد جرجس حموضه العكي، لا دعوى ولا طلب بوجه ولا بسبب ما كان يدعيه ولا بغير سبب من جميع الدعاوى، وأبرأ ذمته ابراء عاماً شرعياً من كل حق ودعوى فيما مضى إلى حد تاريخه، وابرأ كل منهما ذمة الآخر إبراء عاماً شرعياً مسقطاً لكل دعوى ومانعاً لكل حق وشكوى، وتصادقا على ذلك كله بطواعية منهما واختيار من غير إكراه ولا إجبار، تحريراً في السادس خلت من محرم الحرام افتتاح سنة 1264 أربع وستين ومايتين وألف" .

والأمر الملاحظ في هذه الوثيقة أن أحداً لم يوقع كشهود حال على هذه المصالحة، نظراً لوجود مصطفى باشا والي ايالة بيروت وعزمي أفندي دفتردار الايالة، وقد اكتفي بحضورهما وشهادتهما .

2- التوكيلات والرهونات بين المسلمين والمسيحيين

يستدل من دراسة وثائق سجلات المحكمة الشرعية، أن بعض المسيحيين أوكلوا مسلمين كما أن بعض المسلمين أوكلوا بعض المسيحيين في بعض القضايا ومنها القضايا العقارية من بيع وشراء . وتطالعنا وثيقة تتضمن عملية توكيل مسيحيين لمسلمين في مسألة بيع وشراء، وذلك في 14 ربيع الثاني سنة 1264هـ . وقد جاء فيها : "حضر السيد محيي الدين ابن السيد يوسف عفره وباع بحسب وكالته الثابتة عن موكله المعلم يوسف ولد فرنسيس الريس المحكوم بثبوتها شرعاً بموجب حجة شرعية، فباع ما هو لموكله وآيل إليه بطريق الارث الشرعي إلى الحرمة المرأة الذمية مرتا بنت ميخائيل الطرابلسي الطبيب، وقبل لها الشراء الآتي بالنيابة عنها السيد عبد القادر بن الشيخ أحمد جلول بمال المناب عنها لنفسها دون مال غيرها . وذلك المبيع هو جميع الدار المعروفة بالموكل والمشهورة سابقاً بدار ميرزا الكاينة عند بوابة يعقوب الشهيرة باطن مدينة بيروت المشتملة على مساكن علوية وسفلية ايوان يعلوه تخت، وبداخله مربع ويعلوه تخت، ويلاصقه مربع ثاني لجهة الغرب، ويصعد إلى علية بسلم بلاط، تعلو الطريق السالك، وعلى علية ثانية يصعد إليها بسلم حجر تعلو المطبخ، وعلى مطبخ ومرتفق، وعلى قبو معقود بالمؤن والأحجار وتخت من الخشب في القبو المذكور، ويتوصل للدار المحررة بسلم حجر من الدهليز المعلومة الحدود والجهات والغنية بشهرتها عن التحديد البيع قاطع ماضي الثمن (21000) واحد وعشرون ألف قرش مقبوض جميع الثمن المحرر من مال المناب عنها بيد البايع الوكيل المذكور حسب اعترافه شرعاً، وسلمه هذا المبيع وخلي بينه وبينه التخلية الشرعية، وهو تسلم منه التسلم الشرعي تحريراً في 14 ربيع الثاني سنة 1264" .

هذا، وقد كان شهود الحال على هذا التوكيل والبيع والشراء كل من : السيد مصطفى قرنفل، السيد الحاج مصطفى آغا القباني، السيد محمد محرم، السيد قاسم السبليني، السيد عبد الرحمن ابن السيد يحي دياب الادلبي، السيد علي ابن الحاج أحمد الجمال، السيد محيي الدين قريطم، السيد أحمد ناصر زنتوت، السيد يوسف الحشوي .

وفي 23 ربيع الأول 1266هـ، حضر الشيخ يوسف بن الشيخ طلب حبيش الوكيل الشرعي عن جانب الأمير بشير الشهابي الأصيل عن نفسه والوالي الشرعي على أولاد ابنه المتوفى الأمير قاسم وهم الأمير رشيد وأختاه الست ريا والست هيفا القاصرين عن درجة البلوغ والرشد، كما حضر الوكيل ضومط معوض عن الأمير ملحم والأمير مجيد والست نور والست زهر أبناء الأمير قاسم وعن والدته الست كلبهار زوجة الأمير قاسم . وقد باع الشيخ يوسف حبيش وضومط معوض بوكالتهما عن جميع الأمراء والأميرات من آل شهاب للخواجه الياس بن واكيم النجار والخواجه ميخائيل بن بضون صليبه، وذلك المبيع هو كامل بستان القطان وبستان حشيم في محلة برج حمود خارج بيروت وسواها من عقارات وأراضٍ، وذلك المبيع بثمن وقدره (37200) قرش مقبوضة بيد البائعين الوكيلين المذكورين  .

وفي 15 ذي الحجة عام 1273، حضر الخواجه ميخائيل بن جرجس الوكيل الشرعي عن الست داحيل بنت الخواجه دمتري سرسق زوجة الخواجه الياس سرسق شهبندر دولة إيران الثابتة وكالته عنها شرعاً، وادعى على فتح الله بن جبرائيل كبابه الحاضر معه في المجلس، بأنه واضع يده على جميع قطعة الأرض الكائنة في سوق برج الكشاف في حي الصيفي خارج مدينة بيروت . وبعد سؤال المدعى عليه اعترف بوضع يده على ما ذكر مدعياً أنه سبق أن اشتراه . وبعد إحضار الشهود والتحقيق في القضية " حكم مولانا الحاكم الشرعي المومى إليه بصحة العقد الأول للموكلة المحررة، وبإبطال العقد الثاني، وأمر المدعى عليه المذكور برفع يده عن المبيـع المدعى به المحرر، وتسليمه لجهة الموكلة المرقومة ... " .

في آخر محرم 1276هـ، حضر الخواجه أسعد ميخائيل طراد الوكيل الشرعي عن حبيب بن خالد سعد وكالة مطلقة مفوضة لرأيه في بيع ما خصه، وقبض ثمنه، بشهادة كلاً من السيد أحمد بن علي فليفل وأسعد بن الياس بولص رزق .

وفي 16 ذي الحجة عام 1276هـ أوكل الأمير فارس بن الأمير منصور الشهابي حسن آغا الاسطه في قبض كل حق له، وفي بيع أملاكه في ساحل بيروت . وفي التاريخ ذاته أقام الوكيل حسن آغا الاسطه بوكالته عن الأمير سليم الشهابي دعـوى ضد حبيب نقولا الفيعاني لأن للأمير سليم بذمته (400) غرش، وقد صدر الحكم الشرعي بدفع الدين المتوجب .

وفي 5 شوال عام 1279هـ، حضر الحاج مصطفى أفندي بن السيد حسين بيهم ووكل الخواجه سليم بن موسى طراد البيروتي ترجمان دولة الإنكليز المقيم في محروسة جده بقبض (427) ريال عامود، وهو المبلغ الذي من حقه وله بذمة محمد سعيد الداغستاني .

وفي 8 شوال عام 1279هـ، حضر رفعتلو حسين أفندي المهردار ابن الحاج صالح أفندي القبرصي الوكيل الشرعي عن دولتلو السيد أحمد باشا والي أيالة صيدا سابقاً الثابتة وكالته عنه شرعاً، وبوكالته باع له جنينة في محلة باب الدركاه في باطن بيروت، وحصته في الحمام الكبير في محلة السراي باطن بيروت، وحصته في الحمام الصغير في محلة شويربات باطن بيروت، والمبيع للشريكين أحمد آغا حمزه سنو والخواجه الياس سلوم صاحبي خان حمزه وسلوم . بثمن قدره ( 000,110) قرش ( ماية وعشرة آلاف قرش ) مقبوضة من المشترين  .

وفي 18 محرم 1282هـ جرت عملية بيع في المحكمة الشرعية في بيروت بحكم الرهن من الخواجه ابن قسطنطين بن انطون السماط إلى الأمير نجيب بن الأمير جهجاه الشهابي، وذلك المبيع هو جميع الدار العلوية الكائنة في مزرعة المصيطبة بثمن قدره (16) ألف غرش مقبوضة حالاً.

وفيما يختص بالتوكيلات والنيابة المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين فقد حضر إلى محكمة بيروت الشرعية " الخواجه يوسف بن جبران مقصود وباع ما هو له وجار في ملكه وتصرفه وآيل إليه بالإنشاء الشرعي إلى رافع هذا الرقيم الشرعي المطران مكاريوس حداد مطران طائفة الكاثوليك في دمشق الشام، فقبل له الشراء المحرر بالنيابة عنه السيد أحمد أفندي ابن الشيخ يوسف أفندي الأسير قبولاًشرعياً، وذلك المبيع هو النصف شائعاً إثنا عشر قيراطاً من أصل أربعـة وعشريـن قيراطاً في كامـل الدكاكين الثلاث المتلاصقات الواقعة أسفل دار المناب عنه المذكور الكائنة في حي الغلغول خارج المدينة المزبورة ... بثمن قدره للمبيع المسطور عشرة آلاف قرش حالة مقبوضة من مال المناب عنه المذكور بيد البائع المرقوم تماماً حسب اعترافه ... وبالطلب تحرر ما هو الواقع في السابع من جمادى الثانية سنة 1283 ثلاث وثمانين ومايتين وألف " .

وفيما يختص بالرهونات والتوكيلات، فقد حضر إلى المحكمة الشرعية في بيروت الأمير حسن ابن الأمير يوسف شهاب، وأقر واعترف بأن في ذمته للخواجه نقولا بن موسى الدوماني مبلغاً وقدره عشرون ألف قرش ديـناً شرعياً بموجب كنبيالة مؤجلة منذ سنة من تاريخه، لهذا فإن الأمير حسن الشهابي رهن عند نقولا الدوماني جميع قطعة الأرض الكائنة في خراج قرية كفرشيما من أعمال جبل لبنان . وقد أقام الراهن بصريح الأذن المرتهن المرقوم وكيل عنه ببيع الرهن المسطور إذا حل الأجل المزبور، وتحرر ما هو الواقع في الثالث من شعبان المعظم سنة ثلاث وثمانين ومايتين وألف .

وفي المحكمة الشرعية في بيروت، وبشهادة المسلمين مكرمتلو السيد يوسف أفندي عز الدين، والسيد عبد القادر النحاس، والسيد حسن تحسين آغا، ومكرمتلو السيد مصطفى رشيد أفندي الأحدب، اوكلت مهجة بنت قسطنطين بن عبد الله رزق الله البيروتية العثمانية بموجب التذكرة العثمانية التي رؤيت بيدها، وبتعريف اسعد بن قسطنطين بن حبيب جنحو ولطف الله بن فارس بن يونس الربيز البيروتيين العثمانيين، وقررت طائعة مختارة توكيل فضل الله بن نقولا بن جبور فياض البيروتي العثماني بشراء ما يريد من العقارات في مدينة بيروت، وبما شاء من الثمن، ودفعه من مالها المختص بها الموجود معه . وقد سجلت هذه الوكالة في 4 جمادى الأولى سنة 1308هـ .

وفي المحكمة الشرعية في بيروت، وبشهادة المسلمين المشار إليهم سابقاً، أوكل نخلة ابن فضل الله بن جيور سابا وأمه آسية بنت ميخائيل بن فياض التويني البيروتيان العثمانيان نجيب بن فضل الله بن جبور سابا في بيع عقارهما بمشتملاتها الكائن في محلة الدباغة في باطن بيروت، وذلك في 29 رجب سنة 1308هـ  .

ومن خلال اطلاعي على عشرات من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، وعلى المئات من وثائق تلك السجلات، فإن التوكيلات والعلاقـات لم تقتصر على البيارتـة أو اللبنانيين أو العثمانيين عامة، بل امتدت تلك التوكيلات إلى الأجانـب المقيمين في بيروت . ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر وكالة هيلانة بنت زخريا بن جان خاجو بولو الإسلامبولية العثمانية بموجب التذكرة العثمانية لزوجها الخواجه ديمتري بن جان غير ابن ديمتري سوى كمبريتيس قنصل (قونسول) دولة اليونان في بيروت، بأن يشتري لها ما يريد من العقارات الكائنة في مدينة بيروت ممن شاء بما شاء، ودفع ثمنه من مالها الموجود عنده، وقدره خمسمائة ليرة فرنساوية، واجراء ما يقتضي من المعاملات . وقد جرى هذا التوكيل في منزل القنصل في الدار الجارية بملك بني فريج الكائنة في محلة زقاق البلاط خارج بيروت . وعقد المجلس بشهادة وحضور : فائق افندي ابن جبرائيل بن نقولا غرغور، وشكري افندي ابن جرجس بن نقولا آخر نصر، والخواجه جرجس بن صبره بن مقبل جبور البيروتيين العثمانيين، فضلاً عن كاتب المحكمة مكرمتلو السيد يوسف افندي ابن السيد خليل عز الدين والكاتب مكرمتلو السيد مصطفى رشيد افندي ابن المرحوم السيد الشيخ ابراهيم افندي الأحدب، وحسن تحسين آغا ابن الحاج ابراهيم الاسلامبولي أحد محضري المحكمة، وقد جرى التوكيل المشار إليه في أول جمادى الأولى سنة 1310هـ

ومما يلاحظ أيضاً من خلال دراسة عشرات وثائق المحكمة الشرعية في بيروت، أن هذه المحكمة كانت ملاذاً ليس للبيارتة وللمقيمين في بيروت فحسب، وإنما لجميع المناطق اللبنانية من جميع الطوائف، من بينها معاملة تمثل وكالة الشيخ يوسف الخازن عن الأمير بشير قاسم الشهابي (الثالث) ووكالة المسلم الشيخ خليل الغر عن المسيحية نور الخوري الشلفون في قضية دين بين المدعي الأمير بشير والمدعى عليها نور الخوري الشلفون، مما يؤكد على العلاقات الاجتماعية والمالية والقانونية بين المسلمين والمسيحيين . وقد جاء في مضمون الوثيقة :" حضر الشيخ يوسف ابن الشيخ انطوان الخازن الوكيل الشرعي عن جانب الأمير بشير قاسم الشهابي الثابتة وكالته المطلقة العامة عن موكله المذكور بما هو نهج الثبوت الشرعي المحكوم بثبوتها شرعاً لدى مولانا الحاكم الشرعي، وادعى بحسب وكالته المحكية على الحاضر معه في المجلس المزبور السيد الشيخ خليل افندي الغُر الوكيل الشرعي عن الحرمة نور ام امين بنـت يوسـف الخوري الشلفون الثابتة وكالته عنها شرعاً في سماع الدعوى من المدعي المذكور بشهادة كل من بشاره ولد بطرس ابي سعد ولطف الله ولد يوسف الياس اده العارفين بها المعرفة الشرعية، قابلاً بدعواه عليه ومشيراً في خطابه إليه بأن موكلي جناب الأمير بشير يستحق بذمة موكلتك المرقومة ثلاثة آلاف قرش فضة اسدية من المعاملة السلطانية قيمـة كل قرش أربعون مصرية حالة الأجل، وإنني بحسب وكالتي اطلب المبلغ من موكلتك وتسليمه لجهتي . سئل المدعى عليه سؤاله عن ذلك، أجاب معترفاً بالمبلغ، وأنه دين لجناب الأمير بشير بذمة موكلته، وانكر وكالته وكلفه على ذلك البينة الشرعية، فعند ذلك عرفه مولانا الحاكم الشرعي المومى إليه، بأن وكالة المدعي ثابتة لدي شرعاً غب الدعوى الصحيحة الشرعية، وحكمت بثبوتها شرعاً، فبعد أن ثبت المبلغ المرقوم بذمة الموكلة، قسّط الوكيل المدعي الشيخ يوسف ابن الشيخ أنطوان المذكور المبلغ المحرر على الحرمة الموكلة ستة مواسم أولها الموسم القادم في سنة 1265 والثاني في سنة 1266 والثالث في سنة 1267 والرابع في سنة 1268 والخامس في سنة 1269 والسادس في سنة 1270 تدفع الحرمة الموكلة المرقومة كل قسط منها بعد فتوح ميزان الحرير في بيروت خمسماية قرش 500 إلى نهاية ذلك . وقبل جناب الشيخ خليل الوكيل عن الحرمة هذا التأجيل على الوجه المشروح، وتصادق الوكيلان المذكوران في ذلك واشهدا على أنفسهما بما هناك تحريراً في 21 ج سنة 1264" . أما شهود الحال على هذه القضية فهم : السيد مصطفى قرنفل، السيد الحاج قاسم بيضون، شاهدي الوكالـة المحررة، السيد أحمد ناصر زنتوت .

وفي أول ذي الحجة 1275هـ، أوكل عبد اللطيف آغا بن المرحوم علي آغا بربر الخواجه لطف الله بن الخواجه جرجس الحجي في قبض وتسلم ما يخصه من ريع وقف المرحوم مصطفى آغا بربر في مزرعتين في طرابلس الشام، وهذه الوكالة المسجلة في المحكمة الشرعية، هي وكالة مطلقة لمدة ست سنوات .

وفي عملية توكيل بين مسيحي بيروتي ويوناني، كان شهود الحال من المسلمين، ففي الخامس من شوال سنة 1292، وفي مجلس الشرع الشريف في بيروت حضر جرجس افندي بين يوسف بن طنوس التويني البيروتي، واقر انه وكل الخواجا قسطندي كنديكي التاجر اليوناني، بإيجار قطعة أرض الكائنة في قصبة زفته في مصر، وبيـع ارض ملك الموكل في مصر أيضاً . وقد شهد على هذا التوكيل كل من السادة : الشيخ إبراهيم الأحدب، الشيخ يوسف الأسير، السيد يوسف عز الدين، السيد أبو حسن الكستي .

كما جرت استناداً إلى الشرع الشريف، وفي المحكمة الشرعية توكيلات بين المسيحيين انفسهم لعقارات خارج بيروت والمقاطعات الشامية. ففي 8 رجب سنة 1302هـ وفي مجلس الشرع الشريف المعقود في محكمة لواء بيروت الابتدائية بحضور أعضائها المسلمين، حضر الخواجة بسترس أبي راجي ابن بسترس بسترس، وأوكل الخواجة جبران بن فضل ابن سرسق الموجود في مدينة ادنه في الفراغ والانتقال عما يملكه بموجب سند بيده، وهو جميع المخزن الكائن بمحلة جوار الجامع العتيق بالسوق الكبير داخل ادنه .

2-الجوار الإسلامي – المسيحي في بيروت

أكدت دراسة سجلات ووثائق المحكمة الشرعية عن تفاعل وتمازج حقيقي بين المسلمين والمسيحيين في باطن بيروت، كما أكدت على الطمأنينة والأمن والأمان، بحيث تداخلت الأحياء الإسلامية والمسيحية فيما بينها، كما تعايشت هذه الأسر في أراضٍ وعقارات وبساتين متجاورة . وفي هذا الإطار هناك مئات بل آلاف الوثائق التي تؤكد على هذا الجوار والعيش المشترك، وسنعرض بعض الأمثلة الدالة على ذلك :

الوثيقة الأولى (العيش المشترك في سوق القطن في باطن بيروت) :

" حضر السيد الحاج حسن بن المرحوم السيد الحاج عرابي الشيخ ناصر زنتوت، وباع ما آل اليه بطريق الارث الشرعي عن والده المذكور على الحرمة المدعوة بالسيدة امينة بنت المرحوم السيد خليل آغا رمضان، وقبل لها الشراء الآتي بيانه بالنيابة الشرعية عنها السيد امين آغا بن المرحوم السيد عمر آغا رمضان بمال المناب عنها لنفسها دون مال غيرها، وذلك المبيع هو جميع الحصة الشايعة وقدرها السدس أربعـة قراريـط من أصـل أربعة وعشرين قيراطاً في كامل الدكان الكاينة بسوق القطن المسقوفة بالجسور والأخشاب، يحدهـا قبلة مخزن نصر الله الفيعاني وشمالاً دكان وقف السيد صالح سعاده، وشرقاً دار بني التويني، وغرباً الطريق السالك، وفيه إغلاقها تتمة حدودها شركة الأخوين عبد القادر والحاج محمد شقيقي البايع بثمانية قراريط، وشركة محمد الشدياق بالنصف اثني عشر قيراطاً تتمة سهام الدكان، البيع قاطع ماضي الثمن خمسة آلاف قرش فضة اسدية مقبوضة من يد النايب في الاشتراء من مال المناب عنها بيد البايع المذكور حسب اعترافه شرعاً في مجلس عقده، وسلمه هذا المبيع وخلي بينه وبينه التخلية الشرعية، وهو سلمه منه التسلم الشرعي تحريراً في 23 صفر 1264" ثم وقع شهود الحال .

ومما يلاحظ على مضمون هذه الوثيقة، فضلاً عن عملية البيع والشراء، جوار العائلات الإسلامية والمسيحية التالية : ناصر زنتوت، ورمضان، وسعاده، والشدياق، والفيعاني، والتويني، وذلك في منطقة سوق القطن في باطن بيروت .

الوثيقة الثانية  (العيش المشترك في منطقة المصيطبة خارج بيروت) :

"حضر الذمي النصراني جرجس ولد يوسف الشويري وباع ما آل إليه بطريق الإرث الشرعي عن والده المذكور إلى الذمي النصراني حبيب ولد جرجس اندراوس جنحو، وهو اشترى منه بماله لنفسه دون مال غيره، وذلك المبيع هو جميع الربع ستة قراريط من أصل اربعة وعشرين قيراطاً في كامل القطعة الأرض المفرزة من حصة البايع لجهة غربها الكاينة بمزرعة المصيطبة الشهيرة خارج المدينة المزبورة المشتملة على أغراس أشجار توت وبري وأصول لوز وليمون، يحدها قبلة ملك إبراهيم الفيعاني وشمالاً ملك الأمير أحمد رسلان، وشرقاً قسيمتها، والحد الفاصل القاطوع التابع للقطعة المبيعة، وغرباً ملك جرجس بن ميخائيل ديب الشويري تتمة حدوده شركة  البايع بالثلاثة ارباع تتمة سهامها البيع قاطع ماضي الثمن عن ذلك سبعماية قرش (700) مقبوضة حسب الاعتراف . ثم بعد تمام هذا العقد ولزومه وانبرامه على الوجه الشرعي باع البايع المذكور للمشتري المرقوم الثلاثة ارباع الباقيـة على ملكـه، وهو اشترى منه بماله لنفسـه دون مال غيره بثمن قدره عن الصفقة الثانية ثمانماية قرش (800) فضة اسدية مقبوضة كذلك شركة المشتري بالربع، فكمل له بهذا الشراء جميع القطعة المفرزة من حصة البايع وطريقها على ملك البايع المذكور، وسلمه هذا المبيع وخلي بينه وبينه التخلية الشرعية، وهو تسلمه منه التسلم الشرعي تحريراً في التاسع خلت من ربيع الأول سنة 1264" .

ومما يلاحظ على مضمون هذه الوثيقة، فضلاً عن عملية البيع والشراء، جوار العائلات الإسلامية والمسيحية التالية : الشويري، جنحو، الفيعاني، ارسلان، في منطقة المصيطبة . كما لوحظ بأن الحاكم الشرعي لم يكتف بشهود الحال المسلمين، بل اشرك في الشهادة كل من السادة: جرجس الشويري وميخائيل جنحو، وجرجس ولد الياس العرقجي، جنباً إلى جنب مع السادة : مصطفى قرنفل، أحمد ناصر زنتوت، حسين عباس السبليني، يوسف رمضان، محمد أحمد سلطاني الفاخوري . ومن هنا ندرك بأن المناطق البيروتية سواء في داخل السور أو خارج السور، كانت تتفاعل فيها العائلات الإسلامية والمسيحية، بالإضافة إلى أن المحاكم الشرعية ذاتها كانت ملتقى لهذه العائلات.

الوثيقة الثالثة  (العيش المشترك في سوق البياطرة في باطن بيروت) :

وهي تمثل عملية بيع عقار محمد بن عبد القادر سلطاني بوكالته عن زوجته أسما بنت الشيخ عبد القادر أفندي جمال، وعبد القادر ابن الحاج مصطفى صعب بوكالته عن زوجته عائشة شقيقة أسما جمال، لكل من سليم ومحمود ولدي الحاج سعيد درويش، وذلك المبيع كامل المخزن الواقع في سوق البياطرة في باطن بيروت، وكان من جيران الملاكين القدامى والجدد آل الدهان وآل بسترس، حيث كان قبلة زاروب بني الدهان وغرباً مخزن ورثة متري بسترس. وقد تمت عملية البيع والشراء في 24 رجب سنة 1282هـ .

\الوثيقة الرابعة (العيش المشترك في محلة الجميزة خارج بيروت) :

وهذه الوثيقة تؤكد لنا بأن الشاهدين الحاج مصطفـى بن عمر العيتانـي وسعيد بن حسين العيتاني، شهدا بأن للحاج خليل ابن السيد ابراهيم الحص جميع قطعة الأرض في محلة الجميزة، يحدها قبلة ملك اسحاق طراد، وشمالاً وغرباً الطريق السالك، وشرقاً ملك يوسف الوتوات والياس طراد، وقيمتها ثلاثة آلاف قرش . وقد دونت هذه الشهادة في 15 رجب 1302هـ، وتؤكد على جوار العائلات الإسلامية والمسيحية .

الوثيقة الخامسة (العيش المشترك في سوق القطن في باطن بيروت) :

تظهر لنا الوثيقة التالية شهادة آل حمود (سليم بن عبد القادر حمود، وعبد القادر بن حسن حمود) من أن السيدة زينب بنت عبد الرحمن حمود، تملك مخزناً في سوق القطن، وجيرانها الخواجه ملحم فياض وحسن الغندور وورثة حسن القاضي، وقسطنطين رزق الله وملك لبني فياض . وقد سجلت هذه الشهادة في 24 رجب 1302هـ .

2-الدواب في إطار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المسلمين والمسيحيين

مما تقدم، وهو في مجمله من مقتضيات العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين . وبما أن الدواب – ومن بينها الحصان – كانت سمة من سمات العصر، ووسيلة الوجاهة والانتقال من مكان إلى آخر، وكان الحصان بأنواعه كالسيارة اليوم، فقد كشفت سجلات المحكمة الشرعية في بيروت عن العديد من القضايا المتعلقة بالدواب، والحصان من بين هذه الانعام، كان مميزاً، إذ لم تقتصر مكانته الرفيعة على كونه أداة عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية وحسب، وإنما كان مظهراً من مظاهر الوجاهة . فقد ارتفع ثمنه في مختلف العصور والأزمنة والمناطق والخيل العِراب تبقى، في كل الأحوال، الأجود والأجمل والأغلى ثمناً .

وبالعودة إلى سجلات المحكمة الشرعية في "بيروت المحروسة" في العهد العثماني، إطلعنا على عدد لا بأس به من تلك الدعاوى والمحاضر والأحكام المدونة، حول حصان أو بغل أو حمار تبين أن أحده إما مريض وإما مسلوب، أو يجب رده بسبب دين . وهذه السجلات تعود إلى القرن التاسع عشر .

وهنا أشكال منها تعود إلى ما بين عامي 1262 و 1289 للهجرة :

ففي 24 جمادى الأولى سنة 1262هـ، ادعى محمد سليمان من الزبداني على الحاج حسن بن السيد علي الحص، بأن البغل الأسود الحاضر في المجلس الشرعي هو ملكه، وقد فُقد منه منذ ثلاثة شهور، ويطلب رفع يد المدعى عليه عنه وتسليمه إياه . فسئل المدعى عليه سؤاله، أجاب منكراً أن يكون البغل ملكاً للمدعي، فما كان من المدعي إلا أن أحضر علي شعبان ومحمد عيسى من الزبداني، وشهدا الشهادة الشرعية كل واحد بمفرده، فأكدا بأن البغل الأسود هو ملك للمدعي " عندها عرّف مولانا الحاكـم الشرعـي المومى إليه المدعي أن عليه اليمين الشرعي، إن لم ينتقل عن ملكه مناقل، فحلفه وحكم بثبوت ملكية البغل للمدعي، وأمر المدعى عليه بتسليمه للمدعي، فسلمه إياه غِب اعتبار ما وجب اعتباره شرعاً.

وفي 8 محرم 1276هـ، ادعى سليمان بن خليل أبو فروة على الياس بن نجم الشويري، بأن الحصان الأحمر الذي هو تحت يد الياس ملكاً له – كذا -، غير أن الياس الشويري رد هذه التهمة، مشيراً إلى أنه منذ شهرين صدرت المقايضة الشرعية فيما بين إبراهيم شقيق سليمان، وبين جرجس بن الياس الشويري، على الحصان المذكور بحصان آخر، وقد بقي لإبراهيم من أصل هذا المقايضة ماية غرش، ومنذ يومين جاء سليمان وطالب الياس بالماية غرش التي في ذمة ابنه المرقوم، وهو أي سليمان بعلم من ذلك، فلم يصادقه سليمان على دفاعه المحرر، فأثبت الياس ما ادعاه على الوجه المشروح بالبينة الشرعية، ومنع الحاكم (القاضي) الشرعي سليمان من دعواه، وتعرف أن إقدامه على طلب المبلغ مع علمه بأصله، إجازة منه دالة على عــدم حقــه ظاهراً منعـاً وتعريفاً شرعيين .

وفي 15 ذي الحجة 1276هـ، ادعى نجم بن موسى زغيب وأخوته وجميع ورثة والده في المحكمة الشرعية في بيروت على الحاضر معه في المجلس أمين آغا الدمشقي قاطرجي باشي (نقيب البغالين والمسؤول عنهم) في بيروت حالاً قائلاً بدعواه عليه "بأن البغل الأسود المفتول اليدين الذي في يدك كان لأبي ومات وتركه ميراثاً له ولباقي ورثته المحررين، وبما أن أباه مات وانحصر إرثه به وبمن ذكر، فيطلب منه أصالة ووصاية ووكالة البغل المذكور وتسليمه له" . ولما سئل المدعى عليه السؤال الشرعي أجاب معترفاً بوضع يده على البغل، وأنه لوالد المدعي المذكور، ولكنه طلب بيّنة شرعية على صحة ما ادعاه . وبعد الإتيان بشهود وثبات ما ادعاه المدعي، أمر الحاكم الشرعي المدعى عليه تسليم البغل الموجود على باب المجلس حكماً وأمراً صحيحين شرعيين.  وفي 7 جمادى الآخرة 1281هـ، تطالعنا سجلات المحكمة الشرعية في بيروت بدعوى حاتم بن لحود البستاني على لاون ويوسـف بن طنوس السبـاط مدعياً الغبن في عملية قسمة ثلاث أفراس وحمار، ويريد إبطال هذه القسمة . ومما قاله المدعي : " أنه من نحو خمسين يوماً قد اشترى المدعي والمدعى عليهما ثلاث أفراس وحماراً بإحدى وسبعين ليرة فرنساوية ونصف ليـرة، وجعلـوا قيمـة الفرس الثالثة تسعاً وعشرين ليرة فرنساوية ونصف ليرة . فأخذ المدعي الفرس المرقومة أخيراً بالقيمة المحررة ورضي بها، وأخذ المدعى عليهما الفرسين والحمار المرقومات بقيمتهما المحررة، ورضي كل منهم بما أخذه . والآن وجد المدعي المرقوم نفسه مغدوراً، فيريد إبطال ما صدر منهم. فصادقه المدعى عليه المذكور على شرائهم ما ذكر بالقدر المحرر على اقتسامه بالقيمة المحررة، وأخذ كل من الفريقين ما ذكر على الوجه المشروح" . ثم أصدر الحاكم الشرعي حكماً برد الدعوى، ومما جاء في حيثيات الحكـم الشرعـي " ... فحينئذ عرّفت المدعي بأن دعواه المغدورية بعد اعترافه بأن ما ذكر جرى بينهم بالرضى والاختيار غير مسموعة شرعاً، ومنعته من دعواه المحررة، وأعلمت ما هو الواقع، والأمر لمن له الأمر، تحريراً في السابع من جمادى الثانية سنة إحدى وثمانين ومايتين وألف".

وفي 2 رمضان 1281هـ، "ادعى الحاج أحمد علي كتوعة على إبراهيم بن الياس رستم، من أهالي المرقب، من أن البغلة التي وجد منها هذه البغلة مع المدعى عليه فيطلب رفع يده عنها وتسليمها له" . ولما سئل المدعى عليه أوضح بأن البغلة آلت إليه بالشراء من الشيخ محمود القدموسي بثلاثة آلاف وسبعماية وخمسين غرشاً، وأنكر أن يكون للمدعي بها حق . غير أن الشهود الشرعيين الحاج محمد بن صالح إدريس والحاج عثمان بن يوسف العشي ومصطفى بن محمد الضبطية اللاذقي شهدوا بصحة ما ادعاه الحاج أحمد علي كتوعة "ولم يعلموا أنها نقلت عنه بناقل". ولما كانت أحكام الشرع الإسلامي الحنيف تعتبر معاملات وعقـود البيـع والشراء القائمـة على مسروقات هي باطلة، فقد حكم الحاكم الشرعي بثبوت البغلة للمدعي الحاج أحمد "وعرّفت المدعى عليه المرقوم بأن له الرجوع على بائعه بالوجه الشرعي وأعلمـت ما هو الواقع" وقد رُفعـت هذه الدعـوى بأحكامها – على غرار الكثير من الدعاوى – إلى المراجع العليا في استانبول . وقد تُوجت الدعوى بعبارة "المعروض للحضور العالي".

واستكمالاً لهذه القضية، فقد أقام عبد الله بن الياس رستـم شقيق إبراهيـم دعوى على الشيخ حسن بن إبراهيـم المحمد في 13 ذي الحجة 1281هـ، بشـأن البغلـة العتـراء (القوية الجسم) المدعى بها في القضية السابقة قائلاً في دعواه : "أن أخاه الموكل المرقوم من سنة وكسور اشترى من المدعى عليه بغلة عتراء بثلاثة آلاف وسبعماية غرش، ثم في الثاني من شهر رمضان سنة تاريخه استحق البغلة المرقومة الحاج أحمد كتوعه من إبراهيم الموكل المذكور وحكم له بالاستحقاق من فضيلتلو شريف رشدي أفندي قاضي بيروت سابقاً، وحكم لأخيه الموكل المرقوم بالرجوع على بائعه بالثمن المحرر فيطلب منه" ولما سأل القاضي الشرعي المدعى عليه أجاب معترفاً ببيعه إبراهيم بغلة عتراء، ولكنها "نتجت عنده من فرسه الحمراء في قرية بحماسة، وأنكر أن تكون البغلة التي استحقت هي التي باعها من الموكل المرقوم" . وبعد هذه الدعوى والتنازع بين المتداعيين تمت المصالحة بينهما على ألف وسبعماية غرش يدفعها الشيخ حسن المحمد للمدعي، وقد قبل كل منهما المصالحة المذكورة "وأبرأ كل منهما ذمة الآخر من كل حق ودعوى وطلب تتعلق بخصوص البغلة المرقومة إبـراء صحيحاً شرعيـاً مقبولاً من كل منهما بالمواجهة" .

وعن عملية تبادل الحيوانات، فقد ادعى أحمد محمد شعبان على أحمد عبد الله الدح في 11 ربيع الأول 1283هـ، بشأن تبادل حصان أزرق، وحصان أحمر، ظهر أن أحدهما فيه عيوب .

ومما جاء في الدعوى أن الداعي أحمد بن محمد شعبان الصيداوي ادعى على الحاضر معه أحمد بن عبد الله الدح البيروتي، قائلاً بدعواه عليه أنه من نحو عشرين يوماً اشترى من المدعى عليه حصاناً أزرق بألف وخمسماية غرش وعشرين بارة، وباعه حصاناً أحمر بألف وخمسماية غرش، تقاصا بثمن كل منهما عما وجب لكل منهما في ذمة الآخر من ثمن مبيعه .

ثم بعد أن تسلم كل منهما مشتراه، وجد المدعي أن الحصان الأزرق الذي أخذه لا يقبل المخلاة في رأسه ولا إدخال اللجام في فمه ولا يقبل لحسن، ويقف على رجليه عند ركوبه، وأنه إذا ترك بنفسه نهش جنبيه، وجميع ذلك عيوب . وأن المدعي يريد رد الحصان نظراً لعيوبه . وقد أحضر الحصان الأزرق المذكور إلى باب المجلس الشرعي، واعترف المدعى عليه بعيوب حصانه، ولكنه رد بقوله : أنه رغم معرفة المدعي بهذه العيوب، فقد استعمل الحصان بركوبه من صيدا إلى بيروت، ثم رجع به إلى صيدا، ثم استعمله من صيدا إلى صور، ومن صور إلى تبنين ومنها إلى بيروت مجدداً . وقد صادقه المدعي على استعماله بالركوب للأماكن المذكورة بعد اطلاعه على العيوب . وقد أصدر الحاكم الشرعي بعد اطلاعه ودراسته للموضوع برد دعوى المدعي، ومما جاء في الحكم"... فحينئذ عرّفته بأن استعماله للحصان المذكور بالركوب للأماكن المذكورة رضا بالعيب بعد الاطلاع عليه، ومنعته من دعوى الرد، وأعلمت ما هو الواقع، والأمر لمن له الأمر تحريراً في الحادي عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين ومايتين وألف"

2-الأرمن في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت

وفي إطار المعاملات الاقتصادية والدعاوى المتبادلة بين المسلمين والأرمن، إفادتنا وثيقة من سجلات المحكمة الشرعية في بيروت في 7 ربيع الأول 1283هـ، عن دعوى في قضية تجارية بين مسلم وأرمني مفادها "هو أنه في مجلس الشرع الشريف بمدينة بيروت حضر إدريس بن حسن عثمان الموصلي وموسى بن عبد الرحمن بن عبد الله المارديني القاطنان في بيروت، وشهد كل منهما بطريق الاخبار أنه من نحو أربعين يوماً باع حسن آغا ابن مصطفى بن عثمان الأزروملي من وانيس بن كشيش الأرمني من عربكيلي مائتين وخمسة وعشرين رأس غنم بمايتين وخمس وعشرين ليرة عثمانية، وأربعة عشر رأس خيل منها ثلاث إناث، والباقي ذكور بماية وأربعين ليرة عثمانية، وسلم جميع ما ذكر في بيروت وقاصه بالثمن المحرر عن أصل ما هو له في ذمته، وهو اربعماية ليرة عثمانية بموجب كنبيالة بيده، وبقيت مع وانيس المذكور . فذهب ليأتي بها وسافر إلى اسلامبول هارباً، وأنهما يشهدان بذلك إذا طلبا إليه، وبالتماس حسن آغا المرقوم صار تحرير هذه الشهادة على سبيل الاخبار في السابع من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين ومايتين وألف".

وفي 19 ذي الحجة عام 1286هـ، وفي المجلس الشرعي المعقود في مجلس تمييز حقوق لواء بيروت " حضر يوسف بن وانيس الأرمني الديار بكري القاطن في جديدة ومرجعيون، وقرر بحضور رسول آغا ابن مصطفى الخربوطلي أونباشي ضبطية الخيالة في لواء بيروت، أنه في ثاني يوم عيد الفطر سنة تاريخه .... ضرب رسول آغا المرقوم جريدة أصابت عين يوسف الأرمني المذكور اليسرى، فاتلفتها خطأ منه بدون تعمد، والآن أسقط دعواه عنه، واقر أنه ما له عليه حق ولا دعوى ولا طلب بخصوص تلف عينه المذكورة، فصادقه رسول آغا المرقوم على جميع ما قرره، والتمس تحرير ما توقع ليبقى سنداً بيده، فحرر في التاسع عشر من ذي الحجة الحرام ختام سنة ست وثمانين ومايتين وألف سنة 1286 " .

2-مشاركة المسيحيين في إدارات الدولة العثمانية

تشير إحدى وثائق المحكمة الشرعية في بيروت إلى مشاركة المسيحيين في بعض إدارات الدولة الرسمية المهمة، ومن بينها مجلس دعاوى بيروت، فضلاً عن المشاركة في التحقيقات، والمعاينات الطبية ذات الصفات الجرمية . ففي 17 ربيع الثاني سنة 1283هـ، تضمنت إحدى الوثائق مثل تلك المشاركة المسيحية "بحسب الأمر من طرف الحكومـة قد صار الكشف من أحمد أفندي الأسير مأمور الشرع الشريف، وبشارة أفندي فرعون أحد أعضاء مجلس دعاوى بيروت، وإسماعيل آغا ملازم ثاني في ضبطية بيروت، والخواجه كوسيني الطبيب على جثة خليل ابن مراد العيسوي الملقى ميتاً في بستان أسعـد فياض الكائـن في حي القيـراط خـارج بيـروت . فلدى الكشـف عليـه ممـن ذكر وجد ............ وبناء عليه صار عرض الكيفيـة والأمـر لمن له الأمـر ...................." .

كما تضمنت وثيقة أخرى مماثلة مشاركة بطرس آغا الملحمة أحد أعضاء مجلس التحقيق، في التحقيق بوفاة بشارة بن إبراهيم الدقي في منطقة زقاق البلاط خارج مدينة بيروت، وذلك في آخر جمادى الثانية 1281هـ، وتبين أن الوفاة طبيعية .

2-عمليات بيع وشراء لوقف فقراء الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك ولشيخ عقل الطائفة الدرزية ولآل جنبلاط

في 15 شوال 1277هـ، تمت عملية بيع وشراء لمصلحة فقراء طائفة الروم الارثوذكس في بيروت، فقد باع الخواجه جرجس بن اندراوس صوصه بوكالته عن هيلانه بنت نصر الله الأرقش زوجة نعوم الخوري إلى الخواجه ميخائيل بن حنا شحاده موكلاً عن وكلاء فقراء طائفة الروم الارثوذكس في بيروت، أربعة وعشرين قيراطاً من كامل الدار الكائنة داخل مدينة بيروت في محلة باب الدركاه بالقرب من قناة الدركاه من خلال عقدين شرعيين بثمن قدرهما (125) ألف من النقود الرائجة الميرية حساب كل قرش منها أربعون ليرة مصرية.

وفضلاً عن الأهمية الاجتماعية والدينية لهذه الوثيقة، فقد اظهرت لنا من خلال حدود ومكان الدار المشار إليها، أنه كان بالقرب منهما الأملاك والعائلات التالية : الخوري، صليبا، مانولي، حوا، الصباغة، وقف مارضومط .أما شهود الحال على عملية البيع والشراء فهـم من العائلات الإسلامية والمسيحية التالية : الأحدب، السبليني، طباره، الكستي، بيضون، زنتوت، حمود، الفيعاني، طاسو، طراد، أديب، كما جرت عملية بيع من ثقلة بنت يوسف الخوام زوجة عبد الله ثابت إلى الخواجه يوسـف بن انطوان الغلاييني بوكالته عن وقف فقراء طائفة الروم الكاثوليك في محلة بركـة المطران في باطن بيروت في 22 شـوال سنة 1285هـ .

وفي 19 ذي القعدة 1263هـ، باع الوصي والوكيل الشيخ أحمد بن الشيخ حسن جنبلاط بوصايته عن ابنة أخيه أم السعود بنت الشيخ حسن بن الشيخ حسن جنبلاط، وعن الشيخ سليم وفاطمة ولدي الشيخ حسين ابن الشيخ علي جنبلاط وبوكالته عن أخيه الشيخ قاسم بك جنبلاط، جميع الحصة الشائعة في بستان العطار في محمية صيدا لكل من طنوس نوفل ولمارية غنطوس عازار بثمن قدره (11750) قرشاً.

وفي 20 شعبان 1285هـ، حضر إلى مجلس الشرع الشريف في بيروت المحروسة الخواجه أسعد بن يوسف التويني، وباع ما حوله وجار في ملكه إلى شيـخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ حسن ناصيف طليع من قرية جديدة الشوف السويجاني في جبل لبنان، وذلك المبيع هو ستة عشر مكاناً مسقفات علوية وسفلية، وأراضٍ مسقوفة وبئر ماء ...، الكائنة في مزرعة المصيطبة، جميع ما ذكر بثمـن وقدره (000,45) قرش صاغ ميرية .

2-رعاية الدولة العثمانية لمصالح رعاياها المسلمين والمسيحيين وللرعايا الأجانب

وفيما يختص بالأشخاص الذين توكل إليهم مهام التوكيلات والدعاوى عن آخرين، فقد حرصت الدولة العثمانية على رعاية شؤون المواطنين من المسلمين والمسيحيين، وكانت تراقب هؤلاء الوكلاء من خلال ممارساتهم . لهذا أصدر دولتلو أحمد باشا والي ايالة صيدا، بيورلدي (فرمان – مرسوم) تضمن قراراً بعزل عبد الله البربير وأبو علي دمشقية من الطائفة الإسلامية في بيروت، وعزل حبيـب قشـوع وحنا الخـوري من الطائفـة المسيحية في بيروت، وذلك حرصاً على شؤون المسلمين والمسيحيين الاجتماعية والاقتصادية والشرعية، وقد جاء في حيثيات البيورلدي : " بما أنهم متداخليـن في بعض المواد الحقوقية المتعلق رؤيتها في محكمة بيروت، ويتوكلون إلى زيد وعمرو في بعض الدعاوى بقصد الضرر للناس والمنفعة لذواتهم، ويتصدون إلى الدعاوى بلا مناسبة، فلأجل وقاية الأهالي من فساد هؤلاء قد حصل القرار من مجلس الايالة الكبير، أن هؤلاء الأربعة أشخاص بعد الآن لا تقبل وكالتهم في الأمور الشرعية، ولا يعطى لهم رخصة بالتداخل في المواد التي تكون رؤيتها متعلقة بالمحاكمة المذكورة، ويثنيه عليهم أن يكونوا من الآن فصاعداً مقسمين في حد ذاتهم، ومتعاطين إدارة اشغالهم الخصوصية، ويصير إلغاء التقيدات الكاملة في هذا الباب، فلأجل إجراء إيجاب الحال على هذا الوجه وقيد هذا القرار في سجل المحكمة، قد صار تسطير هذا البيورلدي في 7 شوال سنة 1277 " .

وفي 17 ربيع الثاني عام 1277هـ ادعى الأمير علي بن الأمير مراد الشهابي ضد ابن أخيه الأمير حسن بن الأمير يوسف الشهابي، مدعياً بأنه إبان حوادث جبل لبنان نزح من كفرشيما إلى بيروت، وقد استغل الأمير حسن غيابه، فدخل منزله واستولى منه على (18) خابية مليئة بـ(12) قنطـار زيت زيتـون، وعلى أدوات خشـب وشعير وقهوة وسكر وصابون قيمتها كلها (400,15) غرش . وبعد أن حقق الحاكم الشرعي في بيروت وشهادة الشهود، فقد ثبت بطلان الادعـاء، وحكم الحاكم ببراءة الأميـر حسن الشهابي.

وفي 19 رجب 1283هـ ادعى عثمان آغا قول آغاسي بن محمد الاسلامبولي على السمسار يوسف بن امير الخوري فرح لأنه باعه عبداً زنجياً بثمن (22) ليـرة فرنسية، وتبين أن فيه عيباً " قائلاً بدعواه عليه أنه من نحو خمسة عشر يوماً اشترى المدعي منه هذا العبد الزنجي الحاضر في المجلس الذي سنه نحو سبع سنوات بثنتين وعشرين ليرة فرنساوية مقبوضة ليده تماماً، ثم الآن وجد فيه عيباً هو مرض الصدر، فيريد رده عليه بهذا العيب واسترجاع الثمن المرقوم " .

وبعد إحضار الشهود وإثبات دعوى المدعي، وبعد ثبوت مرض العبد الزنجي " بشهادة أحمد أفندي ابن عمر الاسكندراني الطبيب ... والحاج محمد بن الحاج عمر شعر البيروتي، وشهد كل منهما ... إن هذا العبد المذكور به مرض الصدر من قديم وهو عيب ... قبلت شهادتهما ... وفسخت البيع والزمت المدعى عليه المرقوم بإرجاع ثمنه المحرر للمدعي ... والأمر لمن له الأمر تحريراً في التاسع عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين ومايتين وألف ".

وفي دعوى لافتة للنظر دونت في المحكمة بتاريخ ميلادي خلافاً للمتبع، ففي 7 شباط 1884م ادعى الخواجات ميخائيل اجلاستو وأولاده من تابعية دولة فرنسا الفخيمة، أن لهم بذمة الخواجه ديمتري سرسق العثماني التابعية مبلغ (800,45) فرنك، وقد طالبوا بحجز أملاك سرسق الكائنة في حي زاروب الحرامية، غير أن الحاكم الشرعي، تريث في اتخاذ القرار ومنع الحجز على الأملاك أو انتقالها إلى مالك آخر، بانتظار تبلغ آل سرسق الدعوى بعد وصولهم من خارج البلاد .

وفي 23 شعبان 1261هـ، وفي مجلس الشرع الشريـف في بيروت المحروسـة، وبحضور حكام شرع ومفتين ووجهاء، ومفتي بيروت الشيخ محمد أفنـدي حلوانـي زاده .ادعى السيـد ابراهيـم أفندي سندروسي زاده النايـب ونقيـب الاشراف السابـق بطرابلس الشام، على متولي املاك وأوقاف مصطفى آغا بربر والي طرابلس الشام السابق، مطالباً باسترجاع أملاكه الذي اشتراها مصطفى آغا بربر منه عنوة في مزرعة هاب ظاهر طرابلس الشام . وادعى قائلاً : " إن مصطفى آغا بربر كان حال حياته والياً جايراً بطرابلس، وقد طالت مدة ولايته، وصار يأخذ من الرعية بعض عقارات ببخس الثمن بالإكراه الشرعي، وأنه قد أكره المدعي على بيع ثلثي الأصول المرقومة ببخس الثمن، فباع مكرهاً وقبض الثمن مكرهاً وسلم المبيع مكرهاً بثمن قدره ستماية قرش " .

وفي بيان ونص الدعوى " وقد علم بدلالة الحال إن لم يمتثل أمره يوقع به ما يغمه، بما أنه ذو بطش شديد، لا يفكر في العواقب، وأنه لم يتمكن من إقامة الدعوى عليه، لبقاء شوكته مدة حياته، وأن بيده فرمانين عاليين باستماع دعواه المقبولة شرعاً، ولو مضى عليها ما يزيد على ثلاثين سنة للعذر الشرعي، الذي هو بقاء شوكة المُكره مدة حياته، وطلب تسليم الأصول المرقومة لجهة ملكه .... " .

ولما سئل المدعى عليه أجاب : " بأن السيد مصطفى آغا بربر كان متصرفاً في كامل الأصول الزيتون القايمة بأرض مزرعة هاب المرقومة، تصرف الملاك في أملاكهم وذوي الحقوق في حقوقهم، وأنه واضع يده عليها من مدة تزيد على ثلاث وأربعين سنة، ثم وقفها من مدة تزيد على ثلاث وثلاثين سنة، وتصرف بها وقفاً وملكاً حال حياته، وتصرف المتولي بها بعد وفاة الواقف إحدى عشر سنة بدون معارض، وأن المدعي شاهد تصرفه في الوقف المذكور، وأن لا عذر له هناك ولا سبقت له ملكية أصلاً ..." . وبعد أن حقق مفتي بيروت محمد أفندي حلواني زاده مع المدعي والمدعى عليه والوكيل السيد عبد الله ابي النصر الطرابلسي والوكيل الشرعي عن محمد آغا الأسد عتيق المرحوم السيد مصطفى آغا بربر والمتولي الشرعي على وقف مولاه، وبعد أن تم التحقيق مع الشهود رد المفتي والحاكم الشرعي دعوى المدعي لعدم ثبوت الاتهامات المساقة ضد مصطفى آغا بربر وضد متولي أوقافه، لذلك ابرأ المدعي ذمة الوكيل والموكل والوقف والواقف ابراء عاماً مسقطاً لساير الحقوق والدعاوى، وقبل منه البراءة بالمواجهة قبولاً شرعياً .

2-الشرع الحنيف يؤيد حق النصارى في الدعاوى والمعاملات

تمثل العلاقات الاجتماعية في بيروت العثمانية بما تتضمنه من تبادل في عمليات بيع وشراء الأراضي والعقارات والدور، وبما تتضمنه من دعاوى شرعية لها مميزات اجتماعية، تمثل حيزاً هاماً في التاريخ الاجتماعي للطوائف الإسلامية والمسيحية . وكانت الشكاوى الشرعية تتخذ طابعاً اجتماعياً قائماً على أساس الشرع الإسلامي، وبالرغم من ذلك، فإن العديد من دعاوى المسيحيين المحقة والشرعية ضد المدعى عليهم من المسلمين تنتهي إلى قرارات مفتي بيروت أو قاضيها الشرعي بالوقوف إلى جانب المدعي المسيحي ضد المدعى عليه المسلم نظراً لأحقية دعواه وشكواه . ومن بين هذه الدعاوى دعوى "الذمي النصراني" الياس بن الخوري ميخائيل ضد جهجاه بن أحمد، المقامة في محكمة بيروت الشرعية في 25 صفر 1259هـ - 1843م، حول أحقيته في ملكية أرض . وبعد دراسة ومناقشة الدعوى أصدر "مولانا الحاكم الشرعي" حكماً شرعياً لصالح الياس بن الخوري ميخائيل . وكان شهود الحال على هذه القضية بعض المسلمين ومنهم : السيد مصطفى قرنفل، ولده السيد صالح قرنفل، الحاج علي ابن السيد أحمد بولاد الحوت، السيد مصطفى بيضون، الشيخ محمد ابن السيد خليل الباف الطرابلسي.

وفي نهاية صفر 1259هـ ادعى المسلم الحاج علي بن أحمد الحوت على النصراني بشارة سيف الدهان مدعياً عليه بأن المزرعة الموجودة قرب جبانة المصلى خارج سور بيروت المشتملة على أرض وغراس أشجار توت وبري وفواكه وبناء... هي من أملاك موكله المسلم صادق خرما شقير، وأن رفعة الدهان شقيقة المدعى عليه وضعت يدها عليها بدون وجه حق ولا طريقة شرعية، وأنه يطلب رفع يدها عن الأرض وبما تحويه . وبعد حضور الشهود الشرعيين وعدم وجود البيِّنة الشرعية، وبعد التدقيق في الادعاء، منع المدعي من ادعائه لأنه لم يستند إلى وجه حق . " وعند ذلك منع الحاكم الشرعي المومى إليه المدعي الحاج علي المذكور من دعواه وعرّفه أنه ممنوع . وحكم عليه بذلك وجاهاً وشفاهاً غب اعتبار ما وجب اعتباره شرعاً . وحرر ما هو الواقع فيه بالطلب والسؤال تحريراً في نهاية صفر الخير سنة تسع وخمسين ومايتين وألف".

وهناك العديد من القضايا المماثلة التي ظهـرت في مختلـف السنوات وفي مختلـف سجلات المحكمة الشرعيـة في بيروت المحروسـة . كما تشير السجـلات إلى العلاقات الاجتماعية القائمة بين البيروتيين أنفسهم، أو بينهم وبين سواهم من أبناء الجبل . وكانت تظهر هذه العلاقات في إطار عمليات البيع والشراء بين مختلف البيروتيين ومختلف الطوائف، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : عمليات بيع وشراء من النصراني أسعد خطار الرجي إلى المسلم حسين صالح العيتاني في منطقة الحمراء في رأس بيروت، وعملية بيع وشراء من الوكيل إبراهيم مصطفى مكنيها (مكنية) إلى النصرانية وردة يوسـف اده، في بستان بني جمال الدين في بئر الست في مزرعـة رأس النبــع في بيروت، وعملية بيع وشراء من النصراني فرنسيس نصر الله مسك إلى "الذمي اليهودي" الخواجة موسى شوعا الديراني قرب زاوية بني القصار في باطن بيروت . كما صدر حكم شرعي في 19 محرم 1259هـ ومصالحة إسلامية بين عبد الرحمن بيضون وعبد القادر جبيلي حول قضية بستان الخطاب وديون وعقارات في بيروت . وجرت عملية بيع وشراء من محي الدين علي وهبة إلى عمدة التجار الحاج أحمد بكري العريس في باطن بيروت، كما جرت عملية قسمة عقارات بالتراضي بين آل وهبي والسيقلي قرب كنيسة الروم في باطن بيروت . كما صدر في 11 ربيع الآخر 1259هـ حكم شرعي بدفع ديون شاهين خطار الدهان للوكيل يوسف بن الشيخ حسن الداعوق "بازار باشي" وجرت مصالحة شرعية بين الوكيل نفسه وبين فارس لحود حول بيع قطعة أرض وعقار .

وهناك من الملامح الاجتماعية في هذا الإطار والعلاقات الإنسانية ما لا يمكن حصره في هذا المجال، لأنها تعد بعشرات الآلاف وتحتاج إلى دراسة متخصصة منفصلة .

ومن يلاحظ أيضاً أنه من خلال دراسة سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، فقد تبين بأن الأحكام الشرعية، وقواعد العدل في الأحكام، لم تكن تميز بين مسلم ومسيحي، ولم تكن تميز بين مواطن عادي ودوائر الدولة العلية، وبالرغم من أن الدولة العثمانية هي المسيطرة على مقدرات البلاد، غير "أن العدل أساس الملك" . فمن خلال الدعاوى العديدة، تبين أن العديد من المسيحيين في بيروت رفعوا دعاوى على مسلمين، وكانت الأحكام لصالحهم، بل أكثر من ذلك، فقد ادعى الكثير من المسيحيين على الدولة العثمانية ذاتها في العديد من القضايا، وكانت نتيجة الأحكام لصالحهم ضد الدولـة، ففي 7 محرم سنة 1278هـ،تقدم الشيخ يوسف أفندي الأسير بوكالته الشرعية عن تاوفيلوس القبرص وشقيقته مارية بنت الخوري سابا بدعوى ضد الدولة العثمانية الممثلة برفعتلو شكري أفندي مترجم أول والمعين وكيلاً من قبل دولتلو أحمد باشا والي ايالة صيدا، ومضمون هذه الدعوى "أن جميع قطعة الأرض التي أدخلت في خستخانة بيروت بالقرب من القشلة الشاهانية التي قدر مساحتها بحساب التربيع خمسماية وأربعة وتسعون ذراعاً... هي ملك مارية المزبورة من جملة أرضها الواقعة هناك، وقد صار إدخال القطعة الممسوحة في الخستخانة بدون مسوغ شرعي، ويطلب المدعي تخليتها لجهة مارية المزبورة....".

وبعد التأكد من قاضي بيروت ومن مفتي بيروت، والشيخ إبراهيم أفندي الأحدب والشيخ محيي الدين أفندي اليافي من أن مارية المذكورة سبق أن اشترت هذه الأرض من بني النقاش وبيد وكيلها حجة شرعية، فقد حكمت المحكمة بثبوت ملكيـة الأرض المشار إليها لها، وحول الحكم إلى دولة الوالي لإجراء المقتضى الشرعي . وبالفعل فقد أمر في 16 محرم سنة 1278هـ، دفع قيمة الأرض المضمومة للخستخانة من مال الخزينة مبلغ وقدره عشرة آلاف قرش ، وبذلك تم التنازل عن الدعوى والأرض .

2-الشرع الإسلامي ينصب أوصياء على القاصرين المسيحيين

إن تنصيب الحاكم الشرعي في بيروت أوصياء على القاصرين من المسيحيين أكثر من أن تحصى، لأن المحكمة الشرعية في بيروت، كانت تطبق قواعد الشريعة الإسلامية على المسلمين والمسيحيين على السواء . ففي مجلس الشرع الشريف، وبعد أن توفي سليم أفندي ابن بطرس أفندي البستاني، ولم يقم وصياً مختاراً على أولاده حبيب وجلنار وسعدى القاصرين على درجتي البلوغ والرشد، لذا فقد أقام ونصّب مولانا الحاكم الشرعي وصياً على القاصرين جرجي أفندي ابن الخواجه حبيب النقاش، وأذنه بتعاطي جميع مصالحهم ولوازمهم الضرورية، وقد شهد على أهلية الوصي كل من عزتلو يوسف أفندي ابن الخواجه حبيب عرمان وسليم أفندي ابن الخواجه يوسف ثابت . وقد سجل هذا التنصيب في 24 جمادى الأولى سنة 1302هـ  وكان شهود الحال السادة المسلمون : مكرمتلو الشيخ إبراهيم أفندي الأحدب، مكرمتلو الشيخ يوسف أفندي الأسير، السيد مصطفى رشيد أفندي الأحدب، السيد محيي الدين ناصر، السيد يوسف أفندي عز الدين محرر الأصل في المحكمة.

2- شهادات شرعية من المسلمين والمسيحيين في بعض القضايا

تطالعنا وثائق سجلات المحكمة الشرعية بالعديد من القضايا التي استدعت شهادات شهود من ذوي الثقة والصدق من المسلمين والمسيحيين . وكانت هذه القضايا عنصراً من عناصر العلاقات الاجتماعية بين الجانبين . ومن بين هذه القضايا، أنه "في مجلس الشرع الشريف بمدينة بيروت حضر السيد أمين ابن السيد عبد القادر الحلواني والخواجه أسعـد ابن قسطنطين حبيب جنحو، وشهد كل واحد منهما بطريق الإِخبار أنه من الجاري بملك بدره بنت ديمتري كربسيتي، وبتصرفها ثلاثة قراريط شائعة من أصل أربعة وعشرين قيراطاً من كامل قطعة الأرض الكائنة بمحلـة ميناء الحسن خارج بيروت المشتملة على ثلاث أوط [ أوض – غرف] يحدها قبلة ملك كاتينا بنت قصاب أوغلي، وشمالاً ملك الخواجه روفائيل الاسلامبولي، وشرقاً ملك الخواجه سلوم بسول والخواجه نقولا بسول، وغرباً الطريق السالك، تتمة الحدود المقدرة قيمتها بخمسمائة قرش، آلت إليها بالإرث عن أمها لولو بنت جرجس مابرويدي من ثمانية أشهر، وبالطلب تحرر ما هو الواقع في التاسع والعشرين من رجب الفرد سنة اثنتين وثلاثمائة وألف".

وفي قضية أخرى شهادة مسلمين ومسيحيين بيارتة، تظهر لنا بعض الأسماء البيروتية في سياق الوثيقة المسجلة في محكمة بيروت الشرعية بتاريخ 9 ذي القعدة 1303هـ  فقد شهد عمر ابن الحاج عبد الرحمن بيضون والشيخ كنعان ابن الشيخ شبلي حبشي والخواجه حبيب بن بطرس شكري، وشهد كل واحد منهم على ملكية الخواجه أنطون بن بطرس شكري لقطعة أرض في محلة الغابة خارج بيروت . وأظهرت الوثيقة المشار إليها حدود الأرض وأصحاب العقارات المجاورة منهم : حبيب شكري، سليم الجبيلي، طنوس الوتد، جرجس ضاهر الخوري، محمد الدبس، نقولا مطر، مريم الازمرلية .

وتتكرر القضايا الدالة على شهادة المسلمين والمسيحيين، ومن بينها شهادة الحاج أحمد ابن صالح الداعوق والخواجه نقولا بن جرجس مرعب لملكية منزل لبركسية بنت اسطفان في محلة الشامية، وذلك في أول محرم سنة 1303هـ .

كما شهد الحاج خليل بن خالد المكداشي والخواجه لطف الله بن فارس ربيز على ثبات ملكية لكل من يوسف أبي غندور وناصيف ولدي الياس عبود قطيطه، وذلك جميع قطعة الأرض الكائنة في محلة القنطاري في زقاق الجميزة خارج بيروت، وقد سجلت الشهادة في 25 جمادى الثانية سنة 1303هـ .

2-دور الهندسة المعمارية والمنازل البيروتية في الحياة الاجتماعية والشرعية في بيروت

قامت الشرائع السماوية بدور بارز في تكوين العادات والتقاليد الاجتماعية، واستطاعت تلك الشرائع أن تؤثر تأثيراً مباشراً في هندسة المنازل والبيوت والدور والقصور، بما فيها المنازل البيروتية للمسلمين والمسيحيين على السواء، ذلك لأن تلك الأديان ومن بينها الإسلام، تمنع كشف العورات، والنظر إلى المحرمات، لهذا فقد حرص المعماري في بيروت بالاتفاق مع البيارتة على بناء منازل وغرف لا تطل على منازل وغرف الجيران، ولا على مقر النساء، غير أن المجتمع البيروتي – كسواه من المجتمعات – شهد شذوذاً على المألوف، ولهذا برزت بعض الدعاوى في المحكمة الشرعية، تتضمن فتح شبابيك في جدران بعض المنازل تطـل على نساء المنازل الأخرى، مما دعا الحاكم الشرعي للتدخل وتطبيق الشرع الحنيف .

ومن بين هذه الدعاوى، دعاوى مسلمين ضد مسلمين، ودعاوى مسيحيين ضد مسيحيين، أو دعاوى مسلمين على مسيحيين، أو العكس، وكانت السمة المميزة لهذه الدعاوى ضرورة تطبيق الشرع الحنيف . ومن بين تلك الدعاوى : دعوى الحاج حسين بن أحمد قراقيره على بطرس جبور السماط بأنه فتح نوافذ في منزله تطل على مكان نسائه وجولاتهن ومنامهن، وبعد التحقق من الأمر من قبل إبراهيم أفندي الأحدب ومصطفى أفندي الغر وجرجس أفندي طراد والأخيران من أعضاء مجلس الايالة الكبير، فقد قرر الحاكم الشرعي في 24 محرم سنة 1278هـ، إقفال نوافذ بطرس جبور السماط حسب مقتضيات الشرع .

وتطالعنا أيضاً دعوى نعوم طنوس نعوم ضد بشاره متري طاسو، لأنه فتح نوافذ في طابقيه تطل على إيوان منزله وفسحـة داره ومقر حريمـه وجولاتهن، وذلك في محلـة القيراط خارج سور بيروت . وبعد التحقق فيما ادعاه نعوم، أمر الحاكم الشرعي بإقفال نوافذ بشارة طاسو، وصدر الحكم في 28 محرم سنة 1280هـ .

وفي 15 صفر 1280هـ، درس مجلس الشرع الشريف في بيروت دعوى الحاج زكريا حماده ضد المرأة خان زاده الزعني، من أن المدعى عليها أعلت أرض مربع منزلها، بحيث باتت تطل منه على مقر نسائه في داخل بيته في محلة التكنات. وقد صدر الحكم الشرعي بإبطال التعلية، لأنها مخالفة للشرع، وتسبب ضرراً للمدعي .

وفي 7 محرم 1280هـ، شهدت المحكمة الشرعية عرضحال وشكوى سعدى الياس سرسق ضد الياس جرجس العضامي لقيامه بهدم حائط منزلها بدون وجه شرعي في مزرعة الغلغول خارج بيروت (قرب منطقة الخندق الغميق) . وبعد الكشف صدر الحكم الشرعي بتأييد دعوى المرأة سعدى سرسق، لأن لمنزل المدعى عليه شبابيك أخرى يدخل منها النور .

في 18 ربيع الأول 1283هـ، صدر حكم شرعي لصالح عائشة صالح الدقر ضد ليلى أحمد الطبال بسبب فتح شبابيك غير شرعية في منزلها في زاروب المجذوب في باطن بيروت. والأمر الملاحظ أن حكماً شرعياً صدر ضد عائشة صالح الدقر لأنها ارتكبت عام 1287هـ، مخالفة شرعية مما دعا جيرانها لإقامة دعوى ضدها، لإقفال شبابيكها غير الشرعية .

وفي 6 من ذي الحجة سنة 1286هـ، تقدم أحمد آغا حمزه وشريكه الياس سلوم (صاحبا خان حمزه وسلوم)، بتوسيع باب غرفة لهما في خان الأمير منصور في باطن بيروت، بينما بقية أهالي الخان يعارضان هذا التوسيع . وقد تكونت لجنة للكشف عما ذكر مكونة من السادة : الشيخ إبراهيم أفندي الأحدب، الحاج أحمد الداعوق، الحاج أحمد بن سليمان خليل، الخواجه الياس بن شاهين صباغه، والخواجه حبيب بن ميخائيل المجدلاني . وبعد الكشف على الواقع، رأت اللجنة أن لا ضرر من توسيع باب الغرفة، غير أن مفتي بيروت خالف قرار اللجنة، ورأى أنـه ليـس من حـق أصحـاب الخان توسيع باب الغرفة إلا بقبول صاحب العلو، كما أنه لا يحق لأهالي الخان الاعتراض إذا لم يكن هناك من شيء مشترك بينهم.

وفي الإطار نفسه، أقام عبد الرحيم أفندي الصلح مدير تلغراف بيروت دعوى ضد حافظة دندن، لأنها أقامت عليّة فوق برج منزلها في محلة الدحداح في بيـروت، وفـي العلية شباكين يطلان على داره ومقر نسائه . وبعد الكشف الشرعي صدر الحكم بإيقاف العمل في العليّة وإبطالها في 7 صفر سنة 1287هـ .

وفي 18 صفر سنة 1287هـ، صدر حكم شرعي في مجلس تمييز حقوق لواء بيروت لصالح الخواجه جبور بن بشارة ملحمة ضد نصر الله بن جبور خضير، لأن الأخير فتح شبابيك تكشف على فسحة دار المدعي ومقر نسائه، وداخل غرفه، وذلك في منزله الكائن في محلة الدحداح . وقد صدر الحكم الشرعي بعد تقرير مقدم من الشيخ إبراهيم أفندي الأحدب وأنطون أفندي يارد أحد أعضـاء مجلس تمييـز حقوق لواء بيروت .

وهكذا يلاحظ من خلال دراسة وعرض وتحليل هذه النماذج الخاصة بوثائق وسجلات المحكمة الشرعية في بيروت المحروسة في القرن التاسع عشر، كم هي العناصر المشتركة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين في بيروت، وكم هي العوامل التي حددت العيش المشترك بين الجانبين .

ومن اللافت أيضاً، بأن الوثائق – التي لا يمكن الطعن في صحتها – كشفت لنا الواقع الحقيقي للممارسات العادلة للدولة العثمانية، والأحكام العادلة للشرع الإسلامي الحنيف الذي طبق العدل والمساواة والشريعة على المسلمين والمسيحيين دون تمييز في طوائفهم أو مناطقهم أو معاملاتهم أو دعاويهم أو وكالاتهم أو جنسياتهم أيضاً .

أعلى الصفحة

//-->