|
بيروت تستذكر : العلامة الدكتور زكي النقاش (1898 1988) سيرة عالم ومسيرة مناضل ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في شهر تشرين الثاني من عام 1987 توفي العلامة الدكتور عمر فروخ ، وفي 22 نيسان 1988 توفي العلامة المربي الجليل الدكتور زكي النقاش (1898 1988) .
وعمر وزكي توأمان لا ينفصلان في حقول التربية والتعليم والثقافة ، توأمان في التيار السياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي . زكي النقاش وإن مات منذ عشرين سنة ، غير أن فكره وتياره وأسلوبه التربوي والثقافي ، في جيل القرن العشرين والأجيال المتعاقبة لم يزل مستمراً .
زرته مرات ومرات ، بل كنت له مزواراً في صحبة الدكتور عمر فروخ والأستاذ المربي عبد الحميد فايد والحاج توفيق حوري ، وكنا نستفيد من تجاربه وعلمه وأسلوبه في حقول الحياة المتعددة . ابن التسعين ظل رحمه الله - حاضر الذهن متوقد الفكر ، يناقش مناقشات حامية صاخبة كأنه ابن العشرين . هذه الكلمات المتواضعة لن تغطي حياته الغنية بالعلم والعمل ، ولكن عساها تكون ذكرى ووفاء لولديه تمام وبسام ولأهله ولتلاميذه ولمحبيه ، ولجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت .
في عام 1898 أبصر زكي ابن الحاج عبد الرحمن النقاش النور ، في مدينـة بيروت المحروسة . أنهى طفولته الأولى بختم القرآن الكريم تلاوة في كتاب "الشيخة أمون" . ثم بدأ المرحلة الابتدائية في الدراسة في " مدرسة المعلم عيسى " حيث قضى بضعة أشهر ، تعلم فيها اللغة العربية ، والخط ، والحساب ، وبعض مبادئ اللغتين الفرنسية والتركية .
أما دراسته ، وفق النظام الحديث ، فكانت في المعاهد التالية : مدرسة راهبات القديس يوسف في محلة زقاق البلاط ، وفيها تمكن بعض الشيء من اللغة الفرنسية ، فضلاً عن اللغة العربية ، والحساب . فانتقل إلى المدرسة البطريركية حيث أنهى "الصف السابع" بحسب النظام التعليمي المتبـع ، ولم يقض فيها سوى عام واحد 1911 --1912، ثم تسجل في مدرسة الآباء اليسوعيين والتحق تباعاً ، بالصفوف السادس 1912 1913 ، والخامس 1913 1914 ، فالرابع 1914 1915 ، وداوم على الحضور في هذا الصف إلى أن دخلت الدولة العثمانية ، في 5 تشرين الثاني من العام نفسه ، الحرب العالمية الأولى ، التي أشعلت نيرانها ألمانية وحليفاتها في شهر آب .
وفي شهر شباط من العام التالي 1915 تسجل في الكلية السورية الإنجيلية ، التي عرفت فيما بعد بالجامعة الأميركية في بيروت فتابع دروس اللغة الإنكليزية في صف خاص بأمثاله ممن يجهلون هذه اللغة أو هم ضعفاء فيها . والتحق بالصف الخامس الاستعدادي عام 1915 1916 ، غير أنه اضطر ، لضعفه في اللغة الإنكليزية إلى أن يعيد دوامه فيه ثانية عام 1916 1917 ، بعد أن كان تعين "معيداً" أي "ناظراً" في مدرسة "ليلي تجارت مكتبي" الحكومية ، وكانت تشغل بناء "مدرسة الراهبات" في شارع بلس من الجهة الشرقية .
وفي عام 1917 1918 تخرج من القسم الاستعدادي ، والتحق بصفوف الكلية الأربعة ثم تخرج منها في حزيران من العام 1922 ، يحمل شهادة "بكالوريوس علوم" ، وبذلك يكون قد أنهى مراحل الدراسة الثلاث : الابتدائية ، والاستعدادية فالجامعة ، متأثراً بالنقيضين : الثقافة اللاتينية ، والثقافة الانكلوسكسونية ، ليعمل بعدها منذ عام 1922 1923 في مهنة التعليم .
في عام 1922 1923 تعاقد مع جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت للتدريس في مدرستها الابتدائية الأولى الواقعة في محلة الحرج ، حيث درّس اللغة الفرنسية ، غير أنه لأسباب ، لا مجال لذكرها هنا ، انتقل إلى مدينة نابلس في فلسطين ، بعد أن تعاقد مع إدارة مدرسة النجاح الوطنية فيها ، وقد قضى هنا خمس سنوات متتالية ، يعلم اللغة الإنكليزية والتاريخ ، والجغرافية الطبيعية بهذه اللغة .
وفي نهاية عام 1928 الدراسي ، اضطر ، لظروف عائلية قاهرة ، لأن يقدم استقالته لإدارة المدرسة . وفي صيف ذلك العام أعادت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت تعاقدها معه ليعمل ناظراً ومدرّساً في مدرسة الحرج ، التي أصبحت تضم القسمين : الابتدائي والاستعدادي . واستمر حتى 1937 1938 ، حيث أنهت الجمعية ارتباطه معها ، لأسباب سياسية ، يحسن السكوت عنها . عند ذاك التحق بمدارس بغداد الرسمية ، فقضى في عمله ذاك ، ثلاث سنوات ، حتى كانت ثورة رشيد عالي الكيلاني في أيار 1941 ، فاضطر هو وجميع السوريين واللبنانيين إلى مغادرة البلاد .
في صيف ذلك العام جددت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت ارتباطها معه ، ليعمل في مدرسـة الحرج ، التي أصبحت تعرف بـ : "كليـة المقاصد الإسلامية في بيروت" . ولظروف البلاد السياسية ، اعتقل زكي النقاش كغيره من الشباب العربي في لبنان ، وقضى ما يقرب من ثلاثة أشهر في معتقل المية ومية القريب من مدينة صيدا . وبعد أن أفرج عنه عاد إلى عمله في الكلية ، غير أنه استمر مناضلاً من أجل حرية لبنان والبلاد العربية .
وفي شباط 1942 عهدت إليه الجمعية إدارة الكلية وبعد فترة أضافت إليه شؤون التفتيش في مدارسها الأخرى . واستمر حتى عام 1959 ، حيث بلغ سن التقاعد ، غير أنه استمر يعمل ، بارتباط جديد مع الجمعية . وفي صيف 1962 1963 تقاعد نهائياً ، وكانت نهاية المطاف بالعمل في التدريس ، وابتدأ متفرغاً للعمل خارج هذا النطاق : في التأليف ، وكتابة البحوث والدراسات التاريخية والسياسية .
ولعل من المفيد جداً ، هنا ، ذكر استكمال زكي النقاش التحصيل العالي الأكاديمي ، فيما كان لا يزال يعمل متعاقداً مع الجمعيـة . ففي عام 1943 استفرده المرحوم الأستاذ أنيس النصولي ، الذي كان يرئس "لجنة المدارس" في الجمعية ، وبادره بالسؤال : " زكي ، لماذا لا تعمل لنيل "شهادة الماجستير" ، ورغم أن السؤال كان يستوجب التفكير فيه قبل الإجابة ، فإن السائل ، سارع إلى القول : زكي أنا أعرف نشاطك فاذهب ، منذ الغد ، إلى الجامعة الأميركية وتسجل لنيل شهادة الـ (M.A. ) أو شهادة الماجستير ، وكان له ذلك .
وفي حزيران 1947 تسلم زكي النقاش شهادة الماجستير في التاريخ من الجامعة الأميركية في بيروت . ولكن الأستاذ النصولي ، تغمده الله برحمته الواسعة ، جدد السؤال قائلاً : "أستاذ زكي لم لا تعمل للحصول على شهادة الدكتوراه في التاريخ ؟ ، ولما لم يكن النظام في الجامعة الأميركية يمنح تلك الشهادة ، فقد اضطر الأستاذ النقاش إلى الاتصال بجامعة القاهرة حيث قبل طلبه بعد اطلاع المجلس الأعلى في الجامعة ، على بعض ما كان قد سبق له أن نشره ، من مقالات ، ودراسـات ، وأبحاث ، فضلاً عن رسالته لنيل شهادة الماجستير ، وكانت في موضوع : "العلاقات الاجتماعية ، والثقافية ، والاقتصادية بين العرب والإفرنج ، خلال الحروب الصليبية " ، وجاء الرد إيجابياً ، فتسجل عام 1947 في جامعة القاهرة لنيل "الدكتوراه في التاريخ" . وفي 3 أيلول 1953 منح شهادة الدكتوراه في التاريخ .
وما أن كان ذلك حتى فاجأه الأستاذ النصولي مرة ثالثة ، يطلب فيها منه : تسمية ثلاثة من الزملاء في كلية المقاصد الإسلامية ، لتوفدهم الجمعية للعمل على نيل شهادة الدكتوراه ، أو الماجستير في "الدراسات الإسلاميـة " ومادة الرياضيات ، فالأدب الفرنسي . وهنا التفت الدكتور النقاش إلى سائله قائلاً : خيراً إن شاء الله ، فما الغاية من ذلك ، والكلية في حالتها الحاضرة لا تحتاج إلى حاملي مثل تلك الشهادات العالية ؟ عندها ظهرت ابتسامة على شفتي الأستاذ النصولي وقال : "دكتور زكي ألا تحب أن ترى معي جامعة تعرف بجامعة الإمام الأوزاعي ؟ هنا انطلق النقاش قائلاً :"الله ! الله ، بارك الله فيك ، وحقق لك حلمك هذا ، الذي أشاركك فيه كل المشاركة " . وعلى هذا افترقا ، وبعد أيام قدم له الدكتور زكي النقاش قائمة أسماء ثلاثة هم : الأستاذ هشام نشابة وكان يحمل شهادة الماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت والسيد محمود الغزيري ، معلم الرياضيـات ، والسيد حلمي عالم ، معلم اللغة الفرنسية ، وكانت النتيجة ، أن التحق الأستاذ نشابة بإحدى جامعات كندا وانعكف على البحث في موضوع "الدراسات الإسلامية" ونال الدكتوراه فيما بعد ، واستطاعت الجمعية أن تستفيد من خبراته العلمية الواسعة وما تزال تستفيد منها حتى اليوم . أما الأخوان الآخران فوجهتهما الجمعية إلى فرنسة . غير أن الرياح جرت بما لا يشتهي الأستاذ المرحوم أنيس النصولي فأفسدت عليه خطته في تحقيق حلمه الكبير ، وتتابعت الأحداث حتى تمثلت فيما وقع من اختلاف في الرأي السياسي بين بعض الفرقاء من اللبنانيين ، وكانت ثورة سنة 1958" التي انتهت بعد أن كان القدر المحتوم استأثر بكلا الرجلين : رئيس "لجنة المدارس" المرحوم أنيس النصولي ثم رئيس الجمعية المرحوم محمد سلام .
أما د. زكي النقاش فتفرغ ، بعد تقاعده النهائي عام 1963 ، للمطالعة ، والبحث ، فالكتابة والنشر ، فكان له مقالات ، نشرت في بعض الجرائد ، ومنها جريدة "الحياة" و "صوت العروبة" و "النهار" . وكلها يومية . وقد نشر كذلك أبحاثاً ، ودراسات نقدية لمؤلفات ، كان بعضها باللغة العربية ، وآخر بالفرنسية ، وأكثر ذلك ظهر على صفحات بعض الأعداد من "ملحق النهار" الأسبوعي .
أ- المؤلفات المدرسية : 1- "تاريخ سورية ولبنان المصور" مع الدكتور عمر فروخ . 2- سلسلة في الجغرافية العامة مع الأستاذ محمد إسماعيل ، أحد موفدي وزارة المعارف المصرية للتدريس في بعض مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت . ب- المؤلفات العامة في تاريخ العرب وسورية ولبنان : 1- "العلاقات الاجتماعية والثقافية ، والاقتصادية بين العرب والإفرنج ، خلال الحروب الصليبية . 2- "لبنان بين الحقيقة والخيال" . 3- "أضواء توضيحية على تاريخ المارونية" . 4- "التبشير وسيلة من وسائل الاستعمار" . 5- "دور العروبة في تراثنا اللبناني" 6- الدكتور زكي النقاش يصحح الدكتور فيليب حتي ، أخرجته جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية في بيروت . 7- "طريقنا إلى الوحدة" . (نشره أحد المتبرعين) وأخيراً يحمل د. زكي النقاش من الأوسمة : 1- وسام المعارف الوطني اللبناني ، في 18 حزيران 1949 . 2- وسام الأرز الوطني من رتبة فارس ، في 29 كانون الثاني 1960 . 3- الميدالية المذهبة من جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت . 4- دكتوراه فخرية من كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية عام 1983 .
ومن خلال تتبعنا لتاريخ العلامة الدكتور زكي النقاش ، فقد تبين لنا ما يلي : 1- يمتلك ثقافة وعلماً وتنوعاً في العلوم قل مثيله بين أقرانه باستثناء صديقه العلامة الدكتور عمر فروخ الذي يماثله العلم والثقافة . 2- لم ير أن التقدم في السن يمنع من متابعته للدراسات العليا ، لهذا فقد جمع بين التدريس في المقاصد والدراسة في الجامعة الأميركية ، ومن ثم في جامعة القاهرة ، وكان من المتابعين المتفوقين في دراسته . 3- لم ير يوماً أن العلم يتناقض مع النضال من أجل المبادئ السياسية والوطنية ومن أجل حرية وسيادة واستقلال لبنان . 4- أثبت خلال التدريس والإدارة أنه كان قدوة للشباب البيروتي واللبناني والعربي في المبادئ والقيم والثوابت الوطنية والأخلاقية . 5- أثبت طيلة حياته أنه كان ضد الطائفية والمذهبية والفئوية ، لإيمانه بأن العروبة حضارة وقيم تجمع في ظلها جميع فئات المجتمع ، لهذا فإنه اهتم من خلال كتاباته بأهمية العلاقات الحضارية بين المسيحيين والمسلمين . 6- استطاع أن يجسد ويطبق طيلة حياته المبدأ القائل "نعم الأمراء الذين يقفون أمام أبواب العلماء ، وبئس العلماء الذين يقفون أمام أبواب الأمراء " . وكان ثائراً باستمرار لكرامته وكرامة الأساتذة والعلماء ، ورأى أن العلماء ليسوا أقل من الأمراء ، إن لم يكونوا أفضل منهم . رحم الله العلامة الدكتور زكي النقاش العالم المناضل .
بقلم: المؤرخ أ.د حسّان حلاّق |