صيدا

هي صيدون القديمة، من أقدم وأهم ممالك فينيقيا

كانت تقسم إلى قسمين - كما تدل النقوش التي وجدت في معبد أشمون. صيدا الكبرى أو البحرية وهي مركز الصناعة والتجارة وتقوم المدينة الحالية مكانها. وصيدا الصغرى وكانت تقع قي الضاحية على سفوح المرتفعات التي تحيط بالمدينة. 
يرجع تاريخ أو مجيء الفينيقيين لبلادنا إلى أوائل الألف الثالث ق.م. وتنسب صيدا إلى صيدون بكر كنعان وقد كانت رئاسة المدن الفينيقية والسيادة البحرية من نصيب صيدا أولا فمارست هذه الرئاسة على جنوب لبنان بما في ذلك صور واحتفظت بسيادتها البحرية كما فعلت من قبل جبيل وأرواد في شمال لبنان.وكانت صيدا أماً لمدينة هبّو في شمالي إفريقيا كيثيوم في قبرص كما كانت صور أماً لمدينة قرطاجة.

 وقد ازدهرت المدينة بنوع خاص في أواخر الألف الثاني وأوائل الألف الأول ق.م. وقد سيطرت على الحوض الشرقي للمتوسط فترة من الزمن. وكان كتاب أسفار العهد القديم كما كان الشاعر اليوناني هوميروس يسمون الفينيقيين صيدانيين مما يدل على قدم صيدا في التاريخ الفينيقي وازدهارها وسيطرتها.

 ويذكر هوميروس في إلياذته والصناع والفنانين الصيدانيين ويمحدهم ويشير في الإلياذة إلى "الثياب المطرزة صنع الصيدانيات" ويصفها بإعجاب. وفي القرن الثاني عشر ق.م. خسرت صيدون سيادتها فترة من الزمن. وذلك بسبب غزو الفلسطو لها وتدميرهم إياها. فانتقلت عظمتها إلى صور.

 توالى على المدن الفينيقية بما فيها صيدون الفاتحون والغزاة. وكان الاحتلال الأجنبي عنيفاً طاغياً حيناً وضعيفاً لا أثر له حيناً آخر حسب مراحل الازدهار أو الانحطاط التي كانت تمر بها الدولة المحتلة.

 تعاقب على صيدون الحماية أو الاحتلال المصري قد دام هذا العهد فترة طويلة من الزمن ثم الآشوريون وقد ثارت المدينة على العاهل الآشوري أسرحدون حوالي سنة 680-670 ق.م. فجاء هذا الملك الطاغية ودمر المدينة وذبح وجهاءها ونفى سكانها إلى آشور. 

وأثناء الاحتلال الفارسي ثارت المدينة أيضاً إلى إرتحششتا الثالث فأتاها بجيش وحاصرها. ولما رأى الصيداويون أن المفاوضة لا تجدي نفعاً فضلوا الموت على السبي والأسر. فأغلقوا مدينتهم وأحرقوا جميع مراكبهم وأشعلوا النيران في المدينة واستسلموا للموت حرقاً. ويقال أن أكثر من 40 ألف نسمة هلكوا في هذا الحريق الهائل. 
بعد الفرس استسلمت صيدون إلى الاسكندر المقدوني بدون مقاومة ومن بعده إلى خلفائه. وفي أوائل العهود الرومانية كانت صيدون تشكل شبه جمهورية صغيرة لها حكامها وقضاتها ومجلس شيوخها.

 ونذكر بالمناسبة أن القديس بولس عندما رفع دعواه إلى قيصر سافر إلى روما من مرفأ صيدون. وبالرغم مما اعتراها من جمود في هذه القرون فإن هذه المدينة كان لا يزال فيها حركة تجارية لا بأس بها. 

وفي العهود البيزنطية كانت مركز مطرانية وعاصمة فينيقية الساحلية الجنوبية. 
وفي سنة 667 وقعت صيدون في أيدي العرب ومنذ ذلك الحين أصبح اسمها صيدا. وأصبحت تابعة إدارياً لمدينة دمشق عاصمة الأمويين فيما بعد.

 وفي سنة 1111 حاصرها الملك بدوين الأول الصليبي ملك القدس فاستسلمت بعد حصار 47 يوماً.

 وفي العهد الصليبي كانت صيدا مركز ولاية من الولايات الأربع التي تؤلف مملكة القدس وكان يحكمها كونت وتمتد حدودها من الدامور شمالا" الى جبل الكرمل جنوباً.

 وفي سنة 1187 استسلمت بدون مقاومة إلى صلاح الدين الأيوبي فهدم أسوارها. وفي سنة 1197 استعادها الصليبيون ثم استردها العرب في سنة 1249 لتعود وتقع مرة أخرى في يد الإفرنجة وقد أصلح الملك لويس التاسع الفرنسي أو القديس لويس أسوار المدينة أناء إقامته فيها.

 وفي سنة 1291 تخلى عنها فرسان المعبد Les Templiers نهائياً بعد سقوط مدينة عكا آخر معقل من معاقل الصليبيين في هذه البلاد. 

وفي عهد المماليك تأخرت مدينة صيدا كثيراً وانحط شأنها ولم يكن هذا النحطاط من نصيب صيدا فقط. فقد خربت كل المدن الساحلية ذات المرافئ المهمة في هذا العهد. لأن المماليك كانوا يعمدون إلى طمر الموانئ وتخريبها لمنع سفن الأعداء من دخولها إذ كانوا يخشون رجوع الافرنج الذي جلوا إلى قبرص إلا أنه في القرن الخامس عشر يذكر بعض المؤرخين هذه المدينة كمرفأ لمدينة دمشق. 
وفي العهد العثماني أصبحت صيدا سنة 1662 مركز ولاية تبتدئ حدودها شمالا من جسر المعاملتين أي من حدود ولاية طرابلس وتنتهي جنوبا عند جبيل الكرمل ثم اتسعت فيما بعد حدود الولاية على أيام الجزار بما ضم إليها من بلاد. 

وفي القرن السابع عشر عرفت المدينة بعض الازدهار على عهد الأمير فخر الدين الثاني المعني الذي جعلها عاصمة لهز فنشطت الحركة التجارية وأخذ الأجانب يتمركزون فيها ويوسعون تجارتهم معها وخصوصاً بعد أن فقدت طرابلس مركزها التجاري إذ انتقل التجار الأجانب منها إلى صيدا وإلى حلب. وكانت صيدا وحلب تتنافسان الزعامة الاقتصادية والتجارية في عهد فخر الدين. 
ولعل سبب ازدهار هذه المدينة في هذه الفترة بالذات هو سياسة فخر الدين الخارجية وحمايته لأجانب من تجار ومرسلين. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية إن صيدا هي المرفأ الطبيعي لمشق وسوريا الداخلية وطريق صيدا-مرجعيون-دمشق. طريق طبيعي تاريخي. طبيعي لأنه أقصر الطرق إلى داخلية سوريا ولأن الثلوج لا تقفله شتاءً وتاريخي يدلنا على ذلك القلاع المبنية على طوله في أماكن استراتيجية مثل قلعة الشقيف وقلعة بانياس.

 هذا وقد كثرت في صيدا الأبنية المعنية التي لا يزال منها باقياً حتى يومنا هذا وكثرت أيضاً الحانات التي كان يقيم فيها التجار الأجانب وقناصل الدول الأوروبية. ولعل فترة الازدهار القصيرة هذه التي عاشتها صيدا أيام فخر الدين هي آخر فترة من فترات ازدهارها في التاريخ.

 وفي أواخر القرن الثامن عشر نقل الجزار مركز ولاية صدا إلى عكا وهذا ما عجل في سقوط المدينة. ولم يكتف الجزار بذلك بل قام بطرد التجار الأجانب منها 1791. ومنذ ذلك التاريخ برزت بيروت كمركز واحتلت مكان صيدا في العلاقات التجارية مع أوروبا. وما زالت هذه المدينة تنمو وتزدهر منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى أصبحت بعد قليل من الزمن ميناء البلدان اللبنانية والسورية على السواء. 
وفي سنة 1873 على عهد الاحتلال المصري أصابها زلزال مهم فتهدم قسم منها ولكن سليمان باشا الفرنساوي معاون القائد الفاتح إبراهيم باشا أعاد لها عمرانها وأحاطها بسور من جهة اليابسة.

 وبعد الحرب العالمية الأولى التي انتهت بإجلاء العثمانيين عن هذه البلاد أعيدت مدينة صيدا إلى الوطن الأم وضمت إلى الجمهورية اللبنانية ومنذ ذلك الوقت ومدينة صيدا عاصمة لبنان الجنوبي.

 


*
مرافئ صيدا:

لمدينة صيدا اليوم مرفأ واحد صالح لسلفن الشراعية. أما صيدون القديمة فكان لها ثلاثة مرافئ هي المرفأ الشمالي ويقع مكان المرفأ الحالي والمرفأ الجنوبي أو المرفأ المصري ويقع جنوبي المدينة القديمة والمرفأ الخارجي ويقع في الجزيرة قبالة صيدا.

  المرفأ الشمالي: هو الميناء الطبيعي لصيدا وآمن مرفأ من المرافئ الثلاثة يحميه من الجنوب والغرب رصيف من الصخور الطبيعية بنيت عليها أسوار أو جدران ضخمة لصد الأمواج العالية حين يعصف البحر. ونلاحظ أن المرفأ محمي بحكم موقعه من الرياح الجنوبية الغربية السائدة في معظم أيام السنة على شاطئنا وهو محمي أيضاً من الجهة الشرقية برصيف من الصخور طمرت اليوم بالتراب ممتدة من البر حتى القلعة البحرية.

 في أيام الحرب كان هذا المرفأ يقفل بواسطة سلسلة من الحديد تمتد على مدخله من المدينة الشرقية الشمالية. فتصبح صيدون في هذا الموضع مؤمنة من الغزو البري بواسطة أسوارها ومن الغزو البحري بواسطة مرفأها المقفل.

 نجد في المرفأ القديم "وقد تغّير وضعه اليوم بالطمر وبإنشاءات أخرى" من أقصى جهته الجنوبية الغربية فتحة ً كبيرة في سوره الصخري. هذه الفتحة ليست طبيعية وإنما من صنع الإنسان يدلنا ذلك شكلها المحفور حفراً عامودياً تقريباً وقبالة هذه الفتحة من جهة المدينة كان يوجد بركة مربعة محفورة في الصخر وكان يقال لها "بخر الكنان" وهي مطمورة اليوم تحت التراب. إن تجهيز المرفأ من جهته الجنوبية بهذه التدابير أو الإنشاءات أعد خصيصاً لخلق تيار أو مجرى يحري في المرفأ لتنظيقه من الرمال التي ترسب في قاعه من جراء التيارات البحرية المختلفة.وقد عمد إلى إنشاء نوع من السدود للتحكم بالطلاق هذا المحرى أو توقيفه حسبما تقتضي الحاجة. 

 المرفأ المصري: يقع جنوبي المدينة القديمة وراء رأسين ممتدين في البحر له شكل نصف دائري ويعرف بالمرفأ المصري |إلا أنه معرض للرياح الجنوبية الغربية والشمالية فتشتد فيه حركة المياه عند أقل تغيّر بالطقس لم يكن له أهمية كبرى. 

 المرفأ الخارجي: يقع في الجزيرة قبالة الشاطئ الرملي الجميل. مكان الإرساء في الجهة الشرقية من الجزيرة. وقد عمد قديماً إلى إقامة سور فوق الصخور الطبيعية من الجهة الجنوبية ليحمي الإرساء من الرياح الغالبة وهي الرياح الجنوبية الغربية. ولا نزال نرح آثار مرابط السفن المنحوتة في الصخر على ضفة الجزيرة الغربية الشرقية وقد اشتهر هذا المرفأ قديماً باسم مرفأ الأجانب.

        

//-->