سوق الطويلة

سكن الإمام الأَوزاعي في المحلة التي عُرفت فيما بعد بالسوق الطويلة ودرّس بها وتوفي في في منزله، وسكن قبالته فيما بعد محمد إبن عرّاق الدمشقي أحد صلحاء المسلمين الذي بنى زاوية في أوائل العهد العُثماني لا تزال قبتها موجودة الأصل. وفي آخر الطريق بنيت الزاوية القادريّة التي عُرفت بزاوية إبن الشويخ أحد أحفاد عبد القادر الجيلاني، والتي أصبح إسمها فيما بعد جامع المجيديّة.

وفي هذا السوق منفذ يؤدي إلى زاوية الإمام الأوزاعي التي تطلّ عليه من الناحية الغربيّة وفي الجهة المقابلة يوجد بناء قديم تعلوه قبة صغيرة كان في أوائل القرن العشرين مدرسة إسلاميّة وزاوية للصلاة.

وفي وسط هذه الطريق سكن آل ياسين وأنشأوا لهم سوقاً يصل حتى سوق أياس. وبعد أن تكاثرت الدكاكين، أصبح إسم الطريق السوق الطويلة، وأخذت تلك الصفة من كونها أطول سوق بين أسواق بيروت القديمة. وقد إشتهر هذا السوق لوجود سيدة نمساوية طويلة كانت تتعاطى الخياطة في إحدى محلاته، ويقال إنه عُرف بسوق الطويلة لأن إحدى الأسر الإسلاميّة من آل الطويلة كانت تتملك جزءاً كبيراً منه، وهذا السوق يحده من الشمال شارع طرابلس ومن الجنوب شارع ويغان ويتفرع منه ممر ينحدر إلى سوق أياس،

وبدأ سوق الطويلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يحظى بالإهتمام مما دعا بلديّة بيروت سنة 1887م إلى المباشرة بترصيفه برصيف ضيق لم يتمكن رجلان في حينه من المرور عليه معاً، فكان على أحدهما، إذا تصادفا، النزول أو الدخول إلى دكان حيث يمر الثاني.

ثم أخذ كبار التجّار يتخذون من دكاكينه ومخازنه مراكز لعرض البضائع الأوروبيّة والألبسة النسائيّة وأدوات الزينة والعطور. وأقدمهم اوبان صاحب مخزن الكف الأحمر الذي إعتاد أن ينتقي من أصناف البضاعة أجودها وأحسنها، ومن ضمنه ورق التبغ (أنظر فقرة التبغ والتنباك). ومنهم بيراتجه هيكوبلش الذي إتخذ مركزه في مخزن روفائيل حمصي في رأس سوق الطويلة وكان يتعاطى أشغال المجوهرات وقال بأن (غالب جوهرجيّة بيروت لا يعتمدون إلا الختم والصب على شكل واحد مع أنني أتعهد أن أضع كما يطلب مني حسب المرغوب من أي رسم وشكل هيئة أراد... وعند الإمتحان يُكرم المرء أو يهان). ومنهم الخواجات كولدمبرغ إخوان النمسويين، وكانوا يبيعون الأثواب الناجزة والمعروفة (بالجاهزة) للرجال والسيدات والأولاد وقرروا منذ أول تموز 1900م جعل السعر في محلاتهم محدوداً.

ويُذكر أن محل كولدمبرغ المذكور كان يضع آرمة على محله ناطقة (أكبر محل في فيينا) فلما حصلت الأزمة بين تركيا والنمسا سنة 1908م بسبب إقدام هذه الأخيرة على ضمّ البوسنة والهرسك، صدرت الدعوة لمقاطعة البضائع النمسويّة وعلى الأخص الطرابيش. وتجمع الناس أمام محل كولدمبرغ، فقام أصحابه بنزع عبارة أكبر محل في فيينا، ووضعوا مكانها عبارة (أكبر محل إيطالياني) وكتب الشيخ مصطفى غلاييني في حينه يقول: (البضائع النمسويّة رخيصة لكنها أقل متانة وثباتاً من غيرها. والبضائع الفرنساويّة أو الإنكليزيّة أغلى ولكنها متينة ثابتة، ومن جرّب البضاعتين يعلم صحة ما نقول، وعلى كل فإننا نبغض النمسا ونبغض من لا يبغضها ومن يستجلبها والسلام).

وكان مخزن عمر الداعوق للساعات والمجوهرات من المخازن الشهيرة في سوق الطويلة، وقد أعلن إفتتاحه سنة 1893م بإعلان شعري من أربعة أبيات هي:

بضائع عظيمة المقـــدار نعلن للجمهور في محلنـا
من فضة صيغت ومن نضار وكل أنواع الساعات التـي
 طرز جديد مدهش الأبصـار كساتك أساور ساعات على
يسره من جهة الأسعـــار فمن يشرفنا يجد كل الـذي

                           

وعلى ذكر الساعات، نذكر أن فضل الله الأسمر، كان يبيع في السوق الطويلة ويصلّح جميع الساعات ومنها ساعة الحائط الدقاقة التي زيّن بها آباؤنا وأجدادنا جدران منازلهم، كما كان الأسمر يبيع ساعات نجمة القطب(Etoile Polaire) وفونوغراف يرسل صوتاً طبيعيًّا إلى مسافة نصف كيلومتراٍ ليلاً، فيما كان نعوم السودا يعلن عن ساعات يلزمها تدوير كل ثمانية أيام، ومثلهما قيصر شكري الساعاتي وأنطوان إبراهيم جلخ.

ويُذكر أن متى ومنسى كانا يستوردان من محل دورمايل إخوان (Dormeil Freres) حصراً دون غيره. وكان المخزن الجديد لصاحبه سليم لويس يبيع الألبسة الأميركيّة الجاهزة للرجال والنساء والأولاد.

وبينما كان محل علي الحاسبيني في رأس السوق الطويلة يبيع الصبغة التي إخترعها أحمد فانوس بإسم (ضوء القمر)، كان يُوسُف شمعون يبيع مرهم (وردة بنات باريس) التي تكسب الوجه لوناً طبيعيًّا ويحفظ نضارته ونعومته ويصونه من القشب والكلف وكل الأمراض الجلديّة.   

سوق الطويلة كان يحمل الرقم 86 – منطقة 20 – المجيديّة، وفي آخره تقع ساحة العجمي الشهيرة.