مسرح المدينة

وأخيراً، أقفل {مسرح المدينة} بعد حشرجات متقطعة ومديدة. انطفأت الأضواء فيه وأوصدت الأبواب وخلت الكواليس وأظلمت خشبة العرض وهجرت القاعة. نقول ذلك تقريراً لا تأبيناً. ولم يبق في العاصمة سوى {مسرح بيروت} الصغير والموسمي، الذي اضطر بدوره للانتقال من مقر في عين المريسة إلى منطقة الطيونة، و{مسرح مونو} الفرنكوفوني الطابع، و{مسرح بيريت} التابع للجامعة اليسوعية.
عاش {مسرح المدينة} نحو عشر سنوات تقريباً، وعندما تم إقفاله يوم السادس من نيسان، حدث ذلك من دون حسرة كبيرة، ومن دون مشاعر الصدمة. لم يستهول الأمر أحد تقريباً. مقهى {المودكا} مثلاً، وهو مجرّد مقهى، استنهض مجتمع المثقفين والطلاب أكثر بكثير في محاولة إنقاذه. لم يأبه كثيرون لمصير {مسرح المدينة{، خصوصاً أهل المسرح والتمثيل. لم تحتج جموع أو يصدر بيان أو يسعى الساعون في مثل هذه المناسبات إلى تحرّك أو حملة إنقاذ. ربما لأن مجتمع المثقفين قد استنفد طاقته وهو{يناضل} من أجل عدم إقفال مجلة أو دار نشر أو مقهى، أو دار فنون، أو مسرح... مطارح المثقفين اللبنانيين ومؤسساتهم المتناقصة ما عادت كلها قادرة على البقاء أو الاستمرار.


أصدقاء نضال الأشقر، صاحبة {مسرح المدينة} ومديرته، وقفوا حولها مع الشموع في لقطة تذكارية... وانتهى الأمر. ونقول هذا، لا استهجاناً ولا استنكاراً، بل على سبيل التسليم بالأمر الواقع، طالما أننا تعوّدنا على مر السنوات إقفال المسارح وهجرانها. فـ{مسرح بيروت} أقفل لأكثر من سنتين قبل إعادة افتتاحه ثم اضطراره الآن إلى الانتقال.
لنقل انه {موت} متقطع، نهاية بالتقسيط، وبالجرعات، لخشبات المسرح.

منذ أيام جلس صديقان في المقهى ناقد سينمائي متعب ومخرج مسرحي كهل وعدَّدا المسارح الآفلة، فقط في منطقة رأس بيروت ـ الحمراء: فرساي، أورلي، جان دارك، استرال، البيكاديللي، مسرح الجيب ـ السارولا، كليمنصو... ف مسرح المدينة ليس استثناء.

 

ربما هذا ليس حكراً على بيروت، أو أنه ليس حدثاً نافراً. قبل سنة تقريباً ويوم وصولي إلى دمشق تفاجأت بخبر إعادة افتتاح خشبة مسرح الحمراء التي كانت مقفلة لسنوات طويلة. اقترحت على الجمع الذي كنت أجالسه، وهو من المسرحيين والممثلين والكتّاب والصحافيين والشعراء، أن ننطلق ونشارك في الحفل، فامتنعوا جميعهم، قائلين: {لا، إنها صالة لمسرح غير موجود}، قالوا بما معناه أن الأمر انتهى، مدننا ما عادت تحفل بوجود مسرح أو غيابه، ما عادت بحاجة إلى هذا النوع من الفرجة يوم إقفال {مسرح المدينة} انتبهنا إلى أن صالات السينما تشهد ازدهاراً استثنائياً. فطوال العقد المنصرم، تبيّن أن موت صالات الحمراء السينمائية ليس ناتجاً عن ترك عادة مشاهدة الأفلام بل هو ناتج عن تحوّلات ديموغرافية وعمرانية واقتصادية أصابت أنحاء العاصمة كلها. وفي هذا السياق نعود إلى مثال المقاهي، فمقابل إقفال كل مقهى في شارع الحمراء تم افتتاح ما يزيد على عشرة مقاه في وسط المدينة وفي منطقة الأشرفية. كذلك الأمر حدث إزاء صالات السينما.

حال المسرح أكثر تعقيداً وقتامة، ذلك أن إقفال الصالات هو خاتمة لسلسلة من التراجعات والاستقالات والتخلي: الممثلون إلى العمل في ميادين أخرى كالاعلان والدراما التلفزيونية والتعليم والإعلام بل وإلى وظائف غير فنية. عدم ظهور كتّاب مسرح جدد. غياب شبه تام للإنتاج والمنتجين المسرحيين. لا وجود لـ{فرق مسرحية} محترفة. ندرة المخرجين المسرحيين الجدد (يمكننا فقط أن نذكر ثلاثة أو أربعة مخرجين فحسب). وعلى هذا المنوال تغيب العروض المقدمة وتتباعد، وتضيع في كل مرة فرصة تربية جمهور مسرحي وتتلاشى أي إمكانية للمواظبة على الحضور و{التعوّد}.
المعادلة الأسوأ، أن المسرحيات الناجحة فنياً فاشلة تجارياً على الأغلب. الخسائر المترتبة على ذلك، والمتراكمة باستمرار أدت إلى نتيجة عملانية واحدة: غياب المسرح.


في مدننا اليوم، ولنترك {الحسد} من ازدهار المطاعم والملاهي أو من إقبال الناس الكثيف على السينما جانباً... تطغى أنواع من المسرح لا تحده قاعة، فكواليس البرنامج التلفزيوني {ستار أكاديمي} أو جملة برامج {التلفزيون الواقعي} أو استديو {سوبر ستار} يجمع ملايين المتفرجين على نوع مسرحي متلفز وحيّ أقوى تأثيراً وأشد جاذبية وفتنة وجدة من العروض الكئيبة التجريبية أو حتى من العروض الهزلية الخفيفة لخشبات المسرح التقليدية، فهنا على الشاشة تلتم الدراما والكوميديا والمفارقات التراجيدية، وتتفتح على احتمالات لانهائية من أنواع الفرجة هي بالتأكيد أوسع من أي عمل مسرحي... ومجاناً. لن {يموت} المسرح فناً وممارسة، لكنه على الأرجح بات فائضاً عن حاجة المدينة ومتطلباتها للترفيه أو التثقيف، انه، في أغلب الظن، بلا دور تقريباً في صنع مزاج بيروت وطبعها. وإن كان له وظيفة تبرر حضوره، فهي وظيفة {المختبر}، فمنه تتخرّج الكوادر أو تتمرّن فيه المواهب، أو تتدرّب عليه الفنون الأخرى (التلفزيون، الميديا، السينما). ربما لذلك ظهرت في بيروت صيغة جديدة لا تتطلب حالة مسرح دائم. وقوامها {بيت ثقافي متنوّع: رقص، مسرح، معارض تشكيلية، منتدى أدبي، أو بيئي أو طلابي، عروض فيديو، وأنشطة مختلفة، كلها تستثمر المكان الواحد وتعطيه ديمومة ما. {زيكو هاوس} مثلاً، أو {بيت سماحة}.

لكن هذه الصيغة بدورها أصابها الكسل، أو فقر في البرامج والنشاطات والمبادرات.

أيضاً، ظهرت صيغة أخرى في السنوات القليلة المنصرمة تمثلت في مهرجان عروض موسمي (مرة على الأكثر في سنة، ولفترة لا تتجاوز عشرة أيام). لكن أيضاً ورغم التنوّع الفني من مسرح ومحاضرة وفيديو آرت، وقراءات ومعارض... اصطدمت هذه المهرجانات بمشكلات التمويل والبرمجة فتوقف {مهرجان أيلول} المدعوم اوروبياً بعد ثلاث دورات فيما يتجه مهرجان { أشغال داخلية } المدعوم اميركياً إلى جعل موسمه مرة  

كل سنة ونصف السنة.

نحن بتنا في {حاجة} أكثر إلى الفضائيات الاخبارية أو الموسيقية أو الدرامية، وإلى الترفيه السياحي. طالما أن مردوده مضمون، ونحن صرنا نجنح إلى السينما أكثر إذ نشعر معها بعدم تأخرنا عن مجاراة العالم في تناول الصورة واستهلاكها ومشاطرته الفن {المعولم}.

بات المسرح فائضاً عن لوازم العيش في مجتمع بيروت، كما مثلاً هواة الأوبرا {الغريبي الأطوار} بالنسبة لنا.

قبل فترة وضعنا أمام خيار سهل: نتابع حصار عرفات على شاشات الأخبار أم نذهب لمشاهدة مسرحية. الخيار الأول طبعاً. قبل سنة بالتمام وضعنا أمام خيار مشابه: نروح إلى افتتاح مسرحية تجريبية أم نتابع سقوط بغداد.

في ساعة {مسرح المدينة} قبل أيام، ذهبت إلى السينما لأشاهد {21 غْرام}. وليس على نضال الأشقر أن تعاتب أحداً على الغياب عن حفل وداع محرج. فالعالم العربي الذاهب الى {الموت اليومي} ليس لديه مسرح سوى هناك على شاشة {الجزيرة} و{العربية} . ليس لديه فرجة سوى هناك في غزة او في الفلوجة..ولانني لن انتظر هاملت معلناً {اني اشتمّ رائحة عفن في الدانمارك{ اذهب الى افلام اميركا... ولا عزاء للمسرح في بلادنا.