بيروت والطائرة

كانت بيروت في العهود الخالية تنام وتستيقظ في هدوء الأرياف، إذ أنّها لم تكن تسمع دويّ الطائرات، ووداع المسافرين واستقبالهم لم يكن يتمّ إلاّ عن طريق البحر، واختراق الطائرة لسماء بيروت حَدَثٌ اعتُبِرَ أهمّ من نزول المركبات الفضائية على سطح القمر بالنسبة لسكان بيروت يومذاك.

منذ أن بدأ الإنسان يتفكر في خلق السموات والأرض، وجد نفسه ملتصقاً بأرض هذا الكوكب، رأى العصفور الصغير، حيثما شاء يطير، والفراشة الملونة، تتنقل من وردة إلى اقحوانة، فراودته فكرة الطيران. وتمثل نفسه جالساً على بساط سحري، يتحرك بواسطة طلسم معيّن لا يعرفه إلا صاحبه.

ثم هداه فكره إلى تقليد الطير، فكان أبو القاسم عباس بر فرناس، حكيم الأندلس، أول طيّار اخترق الأجواء. وقد احتال في تطيير نفسه، فكسا نفسه بالريش ومد له جناحين، طار بهما في الجو مسافة بعيدة، ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه، فتأذى في ظهره لأنه لم يصنع له ذنباً.

في بيروت عائلة معروفة بلقب الطيّارة. يقول أحد أبنائها أن أحد جدودهم وأصله من سكان طرابلس الغرب، صنع فيها طائرة بجناحين وطار بها مسافة بعيدة، ثم أرتطم بجبل وتوفي، وكان له ثلاثة أولاد، أحدهم اسمه عمر نزل بيروت، والثاني نزل مدينة طرطوس، والثالث سكن حمص، فسُمّوا أبناء الطيّارة.  

 كانَ هبوط الطائرة الأولى على رمال بيروت حدثاً شغل تفكير ناسها البُسَطاء لفترة من الزمن وأخرجهم من طمأنينتهم، ومع ذلك كانوا فرحين فرحَ الأطفال بالاختراع العظيم، فلقد خرجوا جميعاً الكبير منهم والصغير، الرجال والنساء لمشاهدة الطائرة يومَ اقتحمت سماءَهم وتوقفت على شاطئهم لأول مرة.

ولم يهتزّ لمرور الطائرة لأول مرة ناس بيروت فقط، بل واهتزّ كذلك رمل الشاطئ وأمواج البحر والبيوت الوادعة التي كانت حتى ذلك الحين تعيش بين البساتين ومع الطبيعة الخضراء، لقد كانت لهبوط الطائرة في بيروت حكاية طويلة، هذه هي بعض تفاصيلها كما وردت في كتاب صفحات من لبنان لجوزيف نعمة:(في تشرين الأوّل من سنة 1913م وصلت بيروت من فرنسا برقيّة تفيد أن الطيّار دوكور يعاونه الميكانيكي رو غادرا باريس في طريقهما إلى بيروت )، فتتبع البيروتيون أنباء الرحلة بعناية فائقة ليشاهدوا كيف يمكن للبشر أن يستقلّوا طائرة ... ؟ !

غادرت تلك الطائرة باريس صباح 21 تشرين الأوّل في إحتفال مهيب، وسارت بهدوء إلى استنبول العاصمة العُثمانيّة وحطت في (يشي كوي) حيث جرى لراكباها احتفال منقطع النظير ثمّ برحت الآستانة إلى حلب تجتاز مرحلتها الثانية، فلم تتمكن من قطع جبال طوروس فاضطرت إلى النزول هناك، وعمل راكباها على تصليحها، وفي مساء اليوم الثالث وقد إشتد البرد في الليل، أوقد الجنود الموفودون لحراستها النار للتدفئة، فاتصل شرار من النار بالبنزين الموجود في خزانات الطائرة فالتهب للحال وأحرق الطائرة.

كان البيروتيون ما زالوا بانتظار قدوم الطائرة عندما بلّغوا نبأ احتراقها فأحزنهم ذلك، وكانوا في المدة التي وقفت بها الطائرة على جبال طوروس يخرجون كل يوم ويستطلعون الأجواء وهم متشوّقون أن يروا شيئاً ما يمّر ليتحققوا عما إذا كان هو الطائرة أم لا .... .

لم تثن تلك الحادثة عزم الطيّارين الآخرين في فرنسا عن مواصلة السير في هذا الحقل العلمي، فأقدم (فدرين Vedrine) على متابعة المحاولة التي أقدم عليها دوكور، وغادر فدرين باريس إلى ألمانيا حيث حَلّقَ فوقها دون أن يحط رحاله فيها، ومنها سار إلى المجر حيث كانت محطته الأولى ثمّ تابع تحليقه إلى صربيا، وقد إتفق أن مَرّ عن غير قصد في منطقة حربيّة نمساويّة ، فأطلق النمساويّون عليه النار فلم يصيبوه، وتابع رحلته إلى الآستانة، فكان له فيها استقبالٌ عظيم، وجاءَ إلى قونيه واجتاز سلسلة جبال طوروس ومَرّ فوق حلب فوصل إلى بيروت صباح الخامس والعشرين من كانون الأول سنة 1913م وهبط في منطقة الكرنتينا فاستقبله اللبنانيون بحفاوة منقطعة النظير، وأقيمت له الحفلات الرائعة، ونظم الشعراء القصائد الرقيقة ومنهم الخوري بطرس البستاني والشاعر شبلي ملاّط والأخطل الصغير وسافر فدرين في السابع والعشرين من الشهر ذاته إلى يافا، فالقاهرة ومن هناك إلى فرنسا.

وأراد الطيّار الفرنسي (بونه Bohnet) أن يكون له مقل الحفاوة التي أقيمت لزميله (فدرين Vedrine) فتبع الطريق ذاته، وكانت له محطة في بيروت في التاسع والعشرين من كانون الأوّل فنزل على رمل بيروت لأنه لم يَرَ المكان المعدّ له في الكرنتينا لأن الشمس كانت قد غابت، وفي صباح اليوم التالي في 31 كانون الأوّل سنة 1913م جاءَ إلى المكان الذي نزل فيه المسيو كولندر قنصل فرنسا العام فركب وإيّاه وانحدرا إلى ساحة الطيران القائمة في الكارنتينا، وكانت الجموع في ذلك اليوم محتشدة في كلّ الساحات وعلى كلّ الطرقات والشرفات لمشاهدة الحدث العظيم، كانوا جميعاً يصفقون ويهتفون وقبضايات بيروت يرفعون عصيّهم إلى فوق مؤشرين إلى إتجاه الطائرة.

في 15شباط سنة 1914م أي في العام التالي وصلت بيروت طائرة عثمانية اسمها معاونت مليه، يقودها اليوزباشي أركان حرب فتحي بك والملازم صادق، فنزلت عند شاطئ نهر بيروت ثم في محلة شوران قرب الحمام العسكري، وقام الطياران في الأيام التالية ببعض الزيارات وحلّقا فوق سماء بعبدا وبكركي، وجرت لهما استقبالات رسمية وشعبية ولكنهما سقطا بطائرتهما قرب بحيرة طبريا بفلسطين في 27 شباط، فماتا وكان الحزن عليهما شاملاً، وأقيمت لهما جنازة شكلية في بيروت ورفعت صورهما فيها.

 فتحت زيارة فدرين وبونيه، وبعدهما فتحي وصادق لبيروت، أعين اللبنانيين على عالم الطيران الذي كان قد بدأ بالتطور والتقدم، إلا أن الحرب العالميّة الأولى وما تبعها من مآسٍ أخرى أدّت إلى ولوج هذا العلم.

بدأت نهضة اللبنانيين بعد الحرب في عدة مجالات، منها الطيران، يُذكر أن أول طيّار لبناني هو يُوسُف عكر الذي تلقى مبادئ الطيران في معسكر رياق، ثما سافر إلى باريس حيث أتم علومه، ودعته بعد ذلك الجالية العربيّة في البرازيل، فلبّى الدعوة حوالي سنة 1927م، وقام بعدة رحلات هناك، كان يسعى إلى إقامة خط جوي بين الأقطار العربيّة.

كما يذكر الطيار اللبناني محمود سليمان عبد الخالق الذي غادر بلدته سنة 1923م قاصداً المكسيك، حيث أشتغل بالتجارة بضع سنوات، ثم درس الميكانيك والطيران بالمراسلة، والتحق بعد ذلك بمدرسة لنكولن للطيران في الولايات المتحدة الأميركيّة، وأصبح من الطيارين البارعين.

أثناء الحرب العالمية الأولى أنشأ الألمان وحلفاؤهم مطار رياق العسكري، وكان اللبنانيون يشاهدون طائراتهم وبعض طائرات الحلفاء تحلّق في سماء لبنان على علو شاهق، وعندَ سماعِهم أزيزها كانوا يصعدون إلى سطوح المنازل ليروها بالمناظير، وكانت أغلب الطائرات تتألف من طبقة أو إثنتين والقائد كان ظاهراً في وسطها، ويبقى الناس طوال النهار وليس لهم موضوع يتحدّثون به إلاّ قضية الطائرة التي شاهدوها في ذلك اليوم.

في أيام الإنتداب كانت الطائرات تهبط في الفسحة القائمة بين جسر بيروت والدورة، وفي تلك الفترة تعلّم لبنانيون أصول الطيران فأتقن بعضهم فنّ قيادة الطائرات.

في عام 1933م أنشئ أول مطار مدني لبناني في منطقة بئر حسن، مقابل المدينة الرياضية في بيروت، وقد أهمل فيما بعد وحوّل إلى مديرة الإحصاء المركزي، التي أزيلت لاحقاً وحلّت مكانها أبنية سكنيّة.

وعندما دخل الإنكليز والفرنسيون لبنان سنة 1941م، أنشأوا بعض المطارات الصغيرة في تربل ومرجعيون وبعلبك، ثم أنشأوا مطار القليعات، وقد أهملت جميعها اليوم إلاّ مطار القليعات.

 

ثم بدأ العمل بمطار بيروت الدولي بالقرب من منطقة خلدة عام 1950م، كان هذا المطار من أكبر المطارات في العالم وأحسنها تجهيزاً في الشرق الأدنى في ذلك الحين، كان المطار مقسّم إلى ثلاث مناطق، منطقة الهبوط ومبنى المطار ومنطقة فنيّة للمراقبة، وللمطار مدرجان طول الواحد منهما 2380 متراً، والطريق إليه محفوفة بأشجار الصنوبر الخضراء في قسم كبير منها، أما على طريق المطار فكانت تقوم مساحات جرداء من الرّمل على جانبي الطريق، وكانت الشركات اللبنانيّة التي أشتركت بالعمل الجوّي بين لبنان والخارج في بداية عهد المطار هي:

*  شركة طيران الشرق الأوسط

* شركة الطيران اللبنانيّة

* شركة طيران أسيا

 

جدول مواعيد الإقلاع والهبوط للعام 1952

وقد هبطت بالمطار سن 1954م، 13358 طائرة وكان عدد الركاب القادمين إلى لبنان سنة 1951م، 1129 راكباً وسنة 1954م كانوا 125118 راكباً وسنة 1959م 229046 أي أن عدد الركّاب كان يزداد كلّ عام أضعاف أضعاف ما كان عليه في السنين السابقة.

وفي أوج إزدهار مطار بيروت الدولي كانت تهبط على أرضه طائرات تابعة لـ 32 شركة طيران عربية وأجنبية.

تعودّت أذن البيروتي على صوت الطائرات التي تزعج بضجيجها الأحياء المكتظة التي تمرّ من فوقها، وأبعدت أصوات الطائرات بيروت كثيراً عن سكينتها وصبغتها الريفية التي كانت لا تزال تصطبغ بها قبل وصول الطائرات إليه، لكن بقرار من رئيس مجلس الوزراء الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله حوّل الهبوط إلى أرض المطار من فوق لبيروت ليمّر عبر البحر اوتحط الطائرات على أرض المدرج الجديد، بعيداً عن بيروت.

 وقد ظلت بيروت وناس بيروت يعيشون رخاءَهم قبل تعرّض الأعداء للمطار في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول عام 1968م  حيث كانت تلك أولى الضربات التي صمم العدو الإسرائيلي ضرب الشعب الآمن بها، في تلك الليلة، تحطمت وإحترقت ثلاث عشرة طائرة لبنانية.