شجرة الزيتون


شجرة الزيتون سوريا الأصل والمنشأ ومنها انتشرت حتى وصلت إلى أفريقيا الشمالية وأوروبا الجنوبية . وقال عنها الشاعر الإغريقي سوفوكليس على لسان بطله " اوديب " حوالي سنة 400 ق.م. : " هناك شجرة لا أعرف لها مثيلا تنمو فوق ارض آسيا . شجرة لا يمكن اقتلاعها بينما تعود إلى الولادة من تلقاء نفسها . شجرة هي مصدر خوف لجيوش الأعداء ، تنمو في هذه الأماكن أفضل من أي مكان آخر . إنها شجرة الزيتون ذات الأوراق البراقة ومغذية لأطفالنا ، الشجرة التي لا يستطيع أحد ، لا شاب ولا شيخ أن يدمرها أو يخربها " .

جاء في الأرشيف الملكي الذي عثر عليه في مملكة إبلا ( قرب حلب بسورية ) التي قامت ما بين 2600 و 2240 ق. م. أن أملاك الملك والملكة البالغة 1465 هكتاراً كانت مزروعة بأشجار الزيتون . وتشير الوثائق إلى وجود حوالي 4000 جرة زيت مخزونة ومخصصة للعائلة المالكة و 7000 جرة أخرى للشعب ، أي ما يوازي 700 طن من زيت الزيتون لاستعمال شعب إبلا الذي لم يكن يتجاوز خمسة عشر ألف نسمة . 

انطلقت زراعة الزيتون من سواحل بلاد الشام لتعم معظم البلدان الواقعة حول البحر المتوسط وحملها التجار الفينيقيون هدية ثمينة إلى العالم المعروف آنذاك . واليوم تمتلك أسبانيا وحدها 250 مليون شجرة زيتون وتنتج حوالي 800 ألف طن من الزيت ، أي نحو 30 بالمائة من الإنتاج العالمي . وتأتي إيطاليا في المرتبة الثانية ثم اليونان . وفي شمال أفريقيا ، التي وصلتها شجرة الزيتون عندما اسس الفينيقيون مدينة قرطاجة بتونس في القرن التاسع ق.م تحتل تونس اليوم المرتبة الثانية عالميًا في إنتاج الزيت بعد دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة ، إذ تبلغ مساحة الأراضي التونسية المزروعة زيتوناً نحو مليون ونصف المليون هكتار .


أما في وطن الزيتون الآم ، فان سوريا تحتل اليوم المرتبة السابعة عالميًا بزرع الزيتون في الجبال الساحلية المحيطة بطرطوس واللاذقية وادلب والجولان . وفي فلسطين يشكل تصدير الزيتون ، حباً وزيتاً، المصدر الثاني للصادرات الفلسطينية ، رغم الأضرار الفادحة التي ألحقها ويلحقه بها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة . فقد اقتلع الإسرائيليون منذ 1967 نحو 350 ألف شجرة زيتون من اصل مليون شجرة . ويشكل الزيتون الزراعة الرئيسة في مناطق الكورة وعكار والجنوب في لبنان . حتى أن اسمه أطلق منذ القدم على صيدا أو صيدون والتي تعني بالفينيقية الزيتون .


بدأ إقبال المزارعين في بعض أنحاء العالم على زرع أشجار الزيتون يظهر بوضوح في أميركا ( كاليفورنيا وتكساس ) واستراليا والصين ، وذلك بعد أن كشفت الأبحاث الطبية عن فوائد زيته الذي يحتوي على نسبة عالية من فيتامين " هـ " المضاد للأكسدة والذي يقلل من خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة عالية . كما يحتوي زيت الزيتون على حامض طبيعي هو حامض الاوليك الذي يعمل على زيادة الكولسترول الجيد في الدم على حساب الكولسترول السيئ الذي يؤدي ارتفاعه إلى تصلب الشرايين وانسدادها . كما كشفت أبحاث مخبرية على أن تركيب زيت الزيتون قريب من تركيب الدهون في حليب الرضاعة مما يجعل امتصاصه سهلا . وتؤكد هذه الأبحاث أن زيت الزيتون مفيد جدا للكبد والمعدة والمسالك البولية والمصارين الدقيقة والهيكل العظمي والدماغ والقلب والأوعية الدموية . وهو يساعد النساء على تلافي ترقق العظام . ويؤكد علماء يابانيون إن دهن الجلد بزيت الزيتون النقي يقي من سرطان الجلد .


يقسم زيت الزيتون إلى ثلاث فئات رئيسة : الأولى ونسبة الحمض فيها تكون أقل من 1.5 بالمائة ، والثانية تكون نسبة الحمض فيها بين 1.5 و 3 بالمائة ، والثالثة بين 3 و 4.5 بالمائة. والزيت الجيد هو الذي يحوي نسبة أحماض قليلة .


ينصح بعض الأطباء باستعمال زيت الزيتون النقي ( المعصور بارداً أو على البارد ) نيئاً وذلك بسبب شيوع اعتقاد أن الحرارة تبدل طعمه وتجعله ضاراً . وليس من دليل علمي على ذلك ، بخاصة إذا ما قورن بالزيوت الاخرى . فزيت الزيتون المعَرض للحرارة يبدأ بالتدخين، أي يخرج منه دخان ضار ، بين 210 و 230 درجة مئوية بينما الزيوت الأخرى تدخن عند وصول حرارتها إلى 160 أو 170 درجة مئوية والزبدة عند 110 درجات .


يتألف حب الزيتون من 40 أو 50 بالمائة من الماء وما بين 15 و 40 بالمائة من الزيت و25 إلى 40 بالمائة من المادة الصلبة ، وذلك تبعا لنوعية هذا الحب . والمادة الصلبة تتألف بدورها من 70 بالمائة السكر و 20 بالمائة السليلوز و 5 بالمائة من الأملاح المعدنية . وتقل السعرات الحرارية في الزيتون الأخضر عما هي عليه في الأسود .


لورق الزيتون خصائص علاجية عرفها الناس منذ القدم . فقد استخدم الفراعنة هذا الورق في تحنيط موتاهم ، واستعمله أطباء محدثون منذ قرن ونصف القرن في معالجة الحمى والملاريا بعد غليه بالماء وتبخيره . ويعتقد أن المواد المستخلصة من أوراق الزيتون تخفض من التوتر ومن سكر الدم ومن مستوى حامض البوريك . واظهر طبيب أميركي أن زهر شجرة الزيتون قادر على معالجة بعض الأمراض وشفائها مثل الإرهاق واستعادة التوازن.


في العالم اليوم أكثر من عشرين جنساً من الزيتون تحتوي على حوالي خمسمائة نوع يزرع منها نحو 50 بالمائة في حوض البحر المتوسط حيث المناخ يساعد في نموها . وتتكاثر الشجرة بسهولة بحيث أنها تنمو حوالي 50 سم سنوياً . وهي شجرة دائمة الخضرة تعيش أوراقها حتى أربع سنوات . وتثمر الشجرة للمرة الأولى بعد خمس سنوات من زرعها ويستقر عطاؤها بعد 15 سنة ، ويبلغ الذروة عندما تبلغ الشجرة الأربعين . ويستمر هذا العطاء سنين طويلة جداً . أما جذورها فتغوص عميقاً في الأرض ، وقد تصل إلى سبعة أمتار ، وتتمدد دائرياً ليبلغ قطرها حوالي خمسة أمتار . وهذا ما يعطي شجرة الزيتون صلابة ومناعة.