المونولوج

 المونولوج

تجديد موسيقي أحدثه محمد القصبجي في الموسيقى العربية المعاصرة، والمونولوج ليس هو الأغنية الإنتقادية التي اشتهر بها كل من ثريا حلمي وإسماعيل يس ومحمود شكوكو، بل هو نوع موسيقي ظهر في الغناء العربي سنة 1815 وثبت القصبجي أحد أشكاله سنة 1928 في أغنية: إن كنت اسامح على ما سلف. 

والمونولوج مستوحى من الآريا في الأوبرا الإيطالية، حيث يقف البطل بين حدثين من أحداث الأوبرا، فيطلق العنان لعواطفه ويشكو لواعج قلبه في وقفة وجدانية مسرحية تأملية، يروي فيها واقعات ويعرب عن مشاعره. وهي تتميز بأن الكلام سردي وصفي وجداني في العموم، وبأن اللحن لا تتكرر فيه المقاطع أو المذاهب، وقد لا تتكرر أي من الجمل الموسيقية إطلاقا. ولا يتضمن المونولوج مذهبا ولا أغصانا متشابهة، وقد يتضمن مشاهد موسيقية متلاحقة مختلفة تفصلها لوازم. وفيما يلي تحليل لشكلين من أشكال المونولوج، إيضاحا لهذا النوع الغنائي في نماذجه المختلفة، وجميعها غنتها أم كلثوم:

رق الحبيب: (لأحمد رامي، كايروفون، 1944)، هذه الأغنية الخالدة الكبيرة هي من الأغنيات التي تستحق الدراسة في شكلها ومقاماتها وتوزيعها الموسيقي. وهي نموذج كبير للمونولوج الذي لا تتكرر فيه أية ألحان، ويسمى المونولوج المطلق، لأن اللحن ينطلق من نقطة فلا يعود إليها. 

يبدأ المونولوج بمقدمة كبيرة ثم غناء مرسل على قولها: "رق الحبيب وواعدني يوم، وكان له مدة غايب عني". ثم يلي الببت الثاني مرسلا، ويكرر ولكن موقعا في صدره ليعاود مرسلا في العجز. ويدخل الإيقاع من جديد مع قولها: "صُعُب عليّ أنام"، حتى آخر المشهد الأول: "قاعد جنبي". ثم تتوالى المشاهد تفصل بين واحدها والآخر لوازم موسيقية من الصنف الذي يمتاز به القصبجي، ويتفوق بقوته وحسن سبكه: "من كتر شوقي"، ثم "طلع علي النهار"، الذي توحي بدايته ببداية مشهد جديد فعلا. وفي هذا المشهد ينتهي الإيقاع عند قولها :"مظلوم في حبه يحسدني"، ليبدأ إيقاع مختلف عند قولها: "هجرت كل خليل". وفي لازمة المقطع الرابع توزيع متطور يؤدي تعبيرا أشبه بالتعبيرات السمفونية، يسبق قولها: "ولما قرب ميعاد حبيبي". ثم مشهد خامس لدى قولها: "لما خطر ده على فكري"، حيث يظهر غناء أم كلثوم متطورا للغاية، يساعدها في ذلك لحن يطل على الأعماق الفكرية التي تجعل كثيرا من ألحان القصبجي أحانا صعبة، غير ميسورة الفهم للوهلة الأولى.

إن كنت أسامح وانسى الأسية: المونولوج هذا هو أول أغنية ثبتت نوع المونولوج الذي طرقه ملحنون عديدون منذ 1915 في محاولات مختلفة. وشكله يتضمن عوده إلى لحن بعينه مرات في السياق. ولذا سمي بالمونولوج المقيد، لأن اللحن الذي ينطلق يعود إلى محطات يشبّهها الموسيقيون بالقناطر التي تقوم عليها عقود الأغنية. وتفصيل ذلك أن أغنية إن كنت أسامح تتكون من ثلاثة مقاطع، وكل مقطع فيها يتكون من ثلاثة أبيات زجلية. والبيت الثالث في المقطع الثاني: يقول في أنسى، ثم في البيت الثالث من المقطع الثالث أوعى تجافيني. ومقام هذه الأغنية الماهور لم يكن مطروقا جدا قبل "إن كنت أسامح".

ولعلم من أعظم ما غنت أم كلثوم من المونولوجات التي لحنها لها القصبجي: "أيها الفلك على وشك الرحيل"، و"فين العيون اللي سبتني"، و"يا للي رعيت العهود". ومن أشهر مونولوجات القصبجي لغير أم كلثوم: "يا طيور" التي غنتها أسمهان سنة 1941 على الأرجح من أزجال يوسف بدروس.