القاهرة الجزء الثاني

 

* السكان : يشكِّل المسلمون أكثر من 90% من مجموع سكان القاهرة، أما النسبة الباقية (أقل من 10%) فمعظمهم من النصارى الأورثوذكس، ونسبة قليلة منهم كاثوليك وبروتستانت. أما اليهود، فقد غادر غالبيتهم المدينة بعد عام 1957م، ولم تعد لهم بقيةٌ في القاهرة سوى بعض الأثار التي يأتي في مقدمتها معبدهم في شارع عدلي في قلب القاهرة ومدافنهم الخاصة في حي البساتين. وتوجد شريحة محدودة جدًا من سكان القاهرة ترجع أصولها إلى اليونان وإيطاليا وتركيا، وقد اندمج أفراد هذه الشريحة في نسيج مجتمع القاهرة شأنهم في ذلك شأن بعض سكان المدينة الذين ترجع أصولهم إلى السودان وفلسطين وسوريا ولبنان.

ويقدَّر سكان المدينة المولودون في أقاليم ريف مصر بأكثر من ثلث سكان القاهرة مما يعكس مستوى وحجم حركة الهجرة الداخلية الكبيرة الوافدة إلى القاهرة والتي أسهمت في تزايد سكان المدينة بمعدلات كبيرة، خصوصًا مع بداية القرن العشرين الميلادي. وتضاعف عدد سكان القاهرة لأول مرة خلال القرن التاسع عشر الميلادي فبلغ عددهم 600 ألف نسمة تقريبًا بعد أن كانوا حوالي 300 ألف نسمة في القرن الثامن عشر الميلادي، وقد بلغ عددهم وقت احتلال بريطانيا لمصر عام 1882م نحو 375 ألف نسمة. وتضاعف عدد سكان القاهرة للمرة الثانية عام 1930م حين بلغوا 1,2 مليون نسمة بعد أن كانوا 600 ألف نسمة في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وتضاعف سكان المدينة للمرة الثالثة عام 1947م حين بلغ عددهم مليوني نسمة. ومعنى ذلك أن تزايد سكان مدينة القاهرة بشكل كبير أدى إلى تناقص عدد السنوات اللازمة لتضاعف عددهم، فبعد أن كانت مائة سنة أصبحت 30 سنة ثم أخيرًا 17 سنة. واستمرت معدلات تزايد سكان المدينة في الارتفاع نتيجة لانخفاض نسبة الوفيات وخاصة وفيات الأطفال الرضع نتيجةً لارتفاع مستوى الخدمات الصحية وارتفاع مستويات المعيشة وانتشار التعليم، بالإضافة إلى تزايد معدلات الهجرة الداخلية المتجهة إلى القاهرة حتى تجاوز عدد سكان المدينة 3,5 مليون نسمة أوائل الستينيات من القرن العشرين الميلادي ليبلغ حوالي 4,2 مليون نسمة عام 1966م، وعام 2002  52 مليون نسمة، بمعدل 23 مولود في الدقيقة.

خلال حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل على امتداد قناة السويس في الفترة بين عامي 1967 و1973م تم تهجير معظم سكان محافظات القناة وهي السويس والإسماعيلية وبور سعيد إلى مدينة القاهرة وضواحيها وجهات مختلفة من مصر، وسكن منهم في القاهرة وضواحيها ما بين نصف مليون ومليون نسمة، مما زاد من ازدحام المدينة التي بلغ عدد سكانها آنذاك نحو خمسة ملايين نسمة. في حين بلغ إجمالي عدد سكان إقليم القاهرة الذي يشمل مدينة القاهرة بالإضافة إلى شبرا الخيمة وإمبابة والقناطر الخيرية والخانكة وقليوب والجيزة والبدرشين نحو ثمانية ملايين نسمة تبعًا لتعداد عام 1976م، ونحو 12 مليون نسمة خلال الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي مما يبرز أبعاد ظاهرة الازدحام السكاني الكبير للقاهرة التي تكون نسبة سكان إقليمها نحو 20% من إجمالي سكان مصر. وهو وضع سكاني نتج عنه عدة مشكلات تعاني منها المدينة في قطاعات الإسكان والنقل وبعض مرافق الخدمات العامة.

سعت الدولة إلى تخفيف الضغط السكاني الكبير على القاهرة ومحاولة تفريغها من جزء من سكانها عن طريق تشييد عدد من المدن الجديدة وتوجيه بعض سكان القاهرة لسكناها مثل مدينة 15 مايو المشيدة قرب حلوان، ومدينة العبور (العاشر من رمضان) التي تبعد عن القاهرة حوالي 30كم على طريق بلبيس، ومدينة الأمل التي تبعد عن طريق القطامية الممتد بين ضاحية المعادي (جنوبي القاهرة) والعين السخنة بحوالي 40كم. ويتوقع أن تستوعب هذه المدن الجديدة أكثر من 100 ألف، 300 ألف، 330 ألف نسمة على التوالي. كما تم إنشاء مدينة السادس من أكتوبر التي تبعد عن قلب القاهرة حوالي 30كم ويقع مدخلها الرئيسي عند الكيلومتر 25 من جهة القاهرة على الطريق الصحراوي السريع (القاهرة ـ الإسكندرية). وهي مدينة صناعية متكاملة المرافق ستسهم بلا شك في التخفيف من أزمة المساكن بالقاهرة، حيث تمثل مركز جذب لسكان القاهرة تتوفر فيه كافة مرافق الخدمات، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الوحدات السكنية والفيلات التي تتناسب مع كافة مستويات الدخول.

* العمران: يشكل عمران القاهرة مزيجًا من القديم والحديث، وتقع معظم الأحياء القديمة والتاريخية على الضفة الشرقية لنهر النيل، في حين تنتشر المباني والأحياء الأحدث على طول امتداد الضفة الغربية للنهر وعلى جزيرتي الروضة والجزيرة في مجرى النيل، بالإضافة إلى حي جاردن سيتي الذي يشغل رقعة ضيقة من الأرض تمتد على الضفة الشرقية للنيل. يتركز في الأجزاء الجديدة من القاهرة التي شيِّدت خلال القرن العشرين الميلادي، معظم المباني الحكومية والجامعات والفنادق والسفارات وبعض المتاحف. وهي أجزاء تتميّز بوفرة الحدائق والمواقف والميادين العامة والشوارع الواسعة، مما جعلها أقل ازدحامًا وضوضاء من الأجزاء القديمة من القاهرة التي تتسم بارتفاع كثافة مبانيها التي ترجع طُرز بعضها إلى مئات السنين، بالإضافة إلى ضيق شوارعها المتعرِّجة وتعدُّد المحلات التجارية وتكدُّسها في شوارع محددة مثل: خان الخليلي والأزهر، بالإضافة إلى كثرة الأحياء الشعبية الصغيرة التي تشتق اسمها من الحِرف السائدة فيها أو في بعض شوارعها مثل أحياء الصاغة والجمالية والمذبح والنحاسين والكعكيين والفحامين والبغالة والعطارين والدقاقين.

وتتباين طرز المباني في القاهرة بشكل كبير وبصورة تعكس الفترة التاريخية التي شيِّدَت فيها، إذ تكثر المباني التاريخية ذات البوابات الخشبية الضخمة جميلة التصميم والمشربيات (نوافذ خشبية ضيقة شبكية التصميم) التي شيّدت خلال فترات الحكم الإسلامي، وهي تكثر في أحياء مصر القديمة وخاصة الحسين والأزهر والسيدة زينب وباب الشعرية والدرب الأحمر والخليفة. ومن أشهر القصور التاريخية التي ترجع إلى فترات الحكم الإسلامي وأكملها قصر السكاكيني نسبة إلى مشيده السكاكيني باشا الذي سمى الحي المحيط بالقصر باسمه، بالإضافة إلى قصر الأمير محمد علي في المنيل. ومن القصور القديمة المتميزة في القاهرة قصر البارون إميان مؤسِّس حي مصر الجديدة (هليوبوليس) وهو قصر خلاب شُيِّد على الطراز الهندي.

وتُعرف القاهرة منذ عهد بعيد بمدينة المآذن، لكثرة مساجدها التي ترجع إلى عهود تاريخية مختلفة تبدأ من الفتح الإسلامي لمصر حوالي عام 22هـ، 642م عندما فتحها عمرو بن العاص وشيد مسجده الشهير المعروف باسمه حتى الآن في الفسطاط. وهو نهج سار عليه الكثير من حكام مصر الذين شيدوا العديد من المساجد ذات النماذج الفريدة في الفن المعماري الإسلامي مثل مسجد أحمد بن طولون ومسجد السلطان حسن ومسجد قايتباي ومسجد سنان باشا، ومسجد محمد علي ومسجد أبي العلا، ومسجد الأزهر الذي بناه الفاطميون الذين حكموا مصر خلال الفترة الممتدة بين عامي 969 و1171م والذي أصبح جامعة إسلامية بعد ذلك أسهمت في انتشار نور الإسلام بتدريسها العلوم الدينية للوافدين إليها من أبناء دول العالم الإسلامي والأقليات المسلمة في دول العالم المختلفة. وأصبح مسجد محمد علي جزءًا من قلعة محمد علي الشهيرة. ويربط بين القاهرة القديمة والقاهرة الحديثة شارعَا الموسكي والأزهر.

*الحياة الثقافية وأهم أماكن الزيارة: بالإضافة إلى المزارات التاريخية التي سبقت الإشارة إلى أهمها من قصور ومساجد، تتعدد أماكن الزيارة في القاهرة لتشمل العديد من المواقع الأثرية والمناطق التاريخية والسياحية والثقافية، إذ تضم الآثار الفرعونية الأهرامات الثلاثة الكبرى وأبا الهول في الجيزة، والهرم المدرّج في سقارة والعديد من المعابد، بينما تضم الآثار الإسلامية المئات من المساجد والقصور والقلاع والبوابات والمباني التاريخية وبقايا أسوار المدينة القديمة التي ترجع إلى صدر الفتح الإسلامي لمصر، إلى جانب عصور الدول الطولونية والإخشيدية والفاطمية والأيوبية والمملوكية والتُّركية.

تُعدُّ فترة حكم المماليك من أزهى فترات التاريخ الإسلامي للقاهرة، حيث ترجع نشأة معظم الآثار الإسلامية في القاهرة إلى هذه الفترة بحكم طولها إذ امتدت بين عامي 648هـ، 1250م و923هـ، 1517م. ويوجد في القاهرة وحدها أكثر من 400 أثر تاريخي مسجل رسميًا يرجع تاريخها للفترة الممتدة بين عام 130م وأوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وبذلك تتصدر القاهرة مدن العالم العربي وإقليم الشرق الأوسط في هذا الصدد. وتضم القاهرة عدة متاحف منها: المتحف الإسلامي (يضم مقتنيات عديدة ترجع إلى الفترة الممتدة بين القرنين السابع والتاسع عشر الميلاديين) والمتحف القبطي، والمتحف الزراعي، ومتحف بانوراما حرب أكتوبر والمتحف الحربي ومتحف الشرطة، ومتحف مراكب الشمس عند سفح الهرم الأكبر، والمتحف المصري الذي يضم مقتنيات فرعونية ترجع إلى العهود الفرعونية المختلفة. وتتصدّر هذه المقتنيات من حيث الشهرة مجموعة الملك الصغير توت عنخ آمون (تشتمل على محتويات مقبرته الشهيرة في وادي الملوك) والتي يأتي قناعه الذهبي في مقدمتها، بالإضافة إلى المومياوات الملكية التي يتصدرها من حيث الشهرة مومياء الملك رمسيس الثاني.

وتوجد في القاهرة عدة مكتبات عامة، أقدمها وأشهرها وأكثرها تأثيرًا في الحياة الثقافية في مصر دار الكتب المصرية (الهيئة المصرية العامة للكتاب حاليًا) بالإضافة إلى مكتبات الجامعات المتمركزة في المدينة وهي القاهرة والأزهر وعين شمس وحلوان. ومن أحدث المباني الثقافية في القاهرة دار الأوبرا الجديدة التي شيدت على أرض الجزيرة في قلب القاهرة وهو موقع يمكن الوصول إليه بسهولة من كافة أنحاء المدينة.